فضاءات جنين بورزق

جنين بورزق

فضاء الثقافة والمواضيع العامة

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
حجيرة ابراهيم ابن الشهيد
مسجــل منــــذ: 2010-10-19
مجموع النقط: 3203.66
إعلانات


لوبان وبارديلا وخطاب الكراهية

الرأي

لوبان وبارديلا وخطاب الكراهية

محمد بوالروايح

2024/07/09

الشاب “جوردان بارديلا”، هو صنيعة “مارلين لوبان”، لقد أتت به من غياهب النسيان لتزجّ به في عالم السياسة الذي ليس له فيه باع، ولتجعل منه ورقة انتخابية رابحة من أجل استمالة شباب “الفايسبوك” و”التيكتوك”، وقطاع كبير من الفرنسيين المتذمرين -كما قالت- من سياسة ماكرون، المفرطة في الذوبان في الحضن الأوروبي، والمفرّطة في مجد الإمبراطورية الفرنسية وما حققه المناضلون التاريخيون من أجل تعزيز الانتماء الوطني.
بعد نشوة الانتصار العابرة لبارديلا وحزبه في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية، جاءت الصفعة الكبيرة بتقهقر الحزب إلى المرتبة الثالثة بعد تحالف الجبهة الشعبية الجديدة اليساري والتحالف الرئاسي “معا”. لقد استبق لوبان وبارديلا الأحداث، وتصرّفا بكل عنجهية وكأنهما قد حسما السباق وكسبا الرهان، وطفقا ينفثان سموم الكراهية ويتحدثان عن خطة إنقاذ فرنسا مما تسميه مارلين لوبان “الغزو الأجنب”ي المتمثل في قوافل المهاجرين الذين يهددون بتفشي الهويات الوافدة وتلاشي الهوية الفرنسية.
تُضمر “مارلين لوبان” عداوة كبيرة للجزائر، إذ قالت في أحدث تصريح لها إن حزبها ليس بحاجة إلى الجزائر، ويتبنى فكرة القطيعة معها، وإن التجمع الوطني سيعمل -في حالة وصوله إلى السلطة- على وقف ما سمّته “الخطر الأكبر”، الذي يشكله المهاجرون الجزائريون على قيم ومبادئ الجمهورية. ورغم أن مارلين لوبان استدركت بأن الإجراء يخص المهاجرين غير النظاميين لكنّ في اعتقادي أن هذا الاستدراك هو من قبيل تبرير الخطيئة، فالكل مستهدف، نظاميون وغير نظاميين، وهذا ما يُستشف من برنامج حزب التجمُّع الوطني “الجبهة الوطنية” سابقا، الذي ورثته مارلين لوبان عن والدها “جون ماري لوبان” في انقلاب عائلي، أضفت عليه مارلين صبغة التجديد الضروري لهياكل الحزب، وضرورة ضخّ دماء جديدة لضمان استمراره وبقائه في الساحة السياسية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهه والتضييق الذي يعانيه من الحكومات الفرنسية المتعاقبة والتي ازدادت وتيرتها –كما تقول مارلين لوبان- في زمن ماكرون الذي تتهمه بالتعسف في إدارة شؤون الدولة وبزعزعة الديمقراطية والإساءة إلى قيم الجمهورية.
“جوردان بارديلا” ماض على خطى “مارلين لوبان” في معاداة الجزائر ولكن يبدو أن “الشاب الملهم” كما تصفه مارلين لوبان لا يعرف تاريخ الجزائر، ولا يعي دورها التاريخي وحجمها الحضاري ولم يأخذ بنصيحة أسلافه بأن الجزائر شكّلت عبر التاريخ “الوحش الأسود” لكل الحالمين والمستهزئين بإرادة الشعوب، وهي تواصل هذا الدور النضالي في مقاومة الاستعمار ومناهضة خطاب الكراهية انطلاقا من عقيدتها الراسخة بأن إرادة التحدي أقوى من كل حلف شيطاني ومن كل تجمع عنصري، يستقوي بالصهيونية العالمية لنشر الكراهية وتقويض جهود السلام بين شعوب القارات الخمس.
حينما تقول “مارلين لوبان” إننا لسنا بحاجة إلى الجزائر فهذا دليل على أن هاجس الجزائر يكبر في نفسها، ويتضاعف مع كل نفس من أنفاسها، فأنى للوبان ولفتاها المدلل “بارديلا” أن ينالا من سمعة الجزائر ويقلّل من شموخها وحضورها الحضاري فحالهما كحال “ناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل”.
لقد تحدّث بنيامين ستورا عن هاجس الجزائر الذي يسكن اليمين المتطرف على خلفية اتهام هذا الأخير للجزائر بالمسؤولية عن ضياع حلم الإمبراطورية الفرنسية، ومن جملة ما قاله ستورا، والذي نشر موقع “الشروق أون لاين” مقطعا منه: “لم تكن الجزائر مجرد مستعمرة، لقد كانت شيئا عظيما، الجزائر الفرنسية تساوي فرنسا خمس مرات، لم تكن شيئا عاديا. كانت جزءا من فرنسا، وبالنسبة لرموز اليمين المتطرف، فإنهم يحنُّون إلى ذلك الوقت الذي كان يرمز إلى عظمة فرنسا التي افتُقدت، وتعرّضت للخيانة”.

لقد تحدّث بنيامين ستورا عن هاجس الجزائر الذي يسكن اليمين المتطرف على خلفية اتهام هذا الأخير للجزائر بالمسؤولية عن ضياع حلم الإمبراطورية الفرنسية، ومن جملة ما قاله ستورا، والذي نشر موقع “الشروق أون لاين” مقطعا منه: “لم تكن الجزائر مجرد مستعمرة، لقد كانت شيئا عظيما، الجزائر الفرنسية تساوي فرنسا خمس مرات، لم تكن شيئا عاديا. كانت جزءا من فرنسا، وبالنسبة لرموز اليمين المتطرف، فإنهم يحنُّون إلى ذلك الوقت الذي كان يرمز إلى عظمة فرنسا التي افتُقدت، وتعرّضت للخيانة”.

إن أفكار مارلين لوبان وجوردان بارديلا أفكار عفا عليها الزمن وهي من مخلفات القرون الأولى ولم تعد لها قبولا في عصر تعارف الشعوب والحضارات. إن خطاب الكراهية مجرَّم بكل المقاييس لأنه شكلٌ من أشكال معاداة القيم الإنسانية التي ناضلت الشعوب من أجلها ردحا من الزمن، فهذا العصر لا مكان فيه للفاشيين والعنصريين الذين يريدون أن يعودوا بالمجتمع الدولي إلى زمن صراع القبائل وإلى زمن “الأبارتايد” الذي قُبر في جنوب إفريقيا وفي العالم ونبت الربيع على دِمنته.
إن أفكار اليمين المتطرف مؤسسة على الكراهية وعلى التعصب ضد المهاجرين وبخاصة القادمين من شمال إفريقيا، ومن المفيد هنا أن أنقل بعض العبارات الواردة في كتيب نشره حزب التجمع الوطني الفرنسي بعنوان “بارديلا.. وزير أول”، يشتمل على الخطوط العريضة لما يطمح الحزب إلى تحقيقه في مرحلة توليه لزمام السلطة التنفيذية، فتحت عنوان: “حماية الفرنسيين من تدفق المهاجرين”، جاء في هذا الكتيب : “وقد أدى عدم السيطرة على الهجرة لعقود من الزمن إلى استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين ووجود الأجانب على التراب الوطني والذين أصبح اندماجهم في المجتمع الفرنسي مستحيلا، وأدى إلى الطائفية وإلى الانفصالية. في انتظار الإصلاح الدستوري الذي سيقدم للفرنسيين في أقرب وقت ممكن ومن خلال استفتاء، سنضع عددا من التدابير لتقييد ومراقبة الهجرة غير الشرعية والقانونية أيضا”.
في كتيب: “بارديلا وزير أول” الذي نشره حزب التجمع الوطني الفرنسي، اتهام واضح للمهاجرين بزرع الطائفية والانفصالية، وهو كلام عار عن الصحة، ففرنسا رغم كثرة المهاجرين المشكِّلين لنسيجها الاجتماعي ومن قوميات وجنسيات مختلفة، إلا أنها لا تشهد صراعات طائفية بالشكل المهول الذي يتحدث عنه التجمع الوطني إلا في صورة احتكاكات طفيفة وظرفية لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، كما أن بعض الطائفية والانفصالية بالشكل المحدود الذي أشرت إليه موجودة بين السكان الأصليين أنفسهم وليس للمهاجرين ضلعٌ فيها، ويذهب بعض الباحثين إلى أن فرنسا متَّهمة في فترة من الفترات بافتعال الطائفية والصراعات العرقية بشمال إفريقيا والتي تتجلى بعض مظاهرها المعاصرة في الصراعات المسلحة ذات الخلفية الطائفية التي تحدث في بعض الدول الإفريقية.
إن برنامج حزب التجمع الوطني الفرنسي المؤسَّس على كراهية الآخر والمتستر وراء دعوى “حماية الهوية الفرنسية”، يتناقض مع مبادئ الجمهورية الفرنسية التي تنص على احترام حقوق الإنسان والمعاملة العادلة والمنصفة لكل مكونات المجتمع الفرنسي. إننا نرفض راديكالية التجمع الوطني الفرنسي كما نرفض أي قانون يقيد الحريات ويذكي الصراعات أو يخلط بين التطرف الممارَس باسم الدين وبين الدين الإسلامي، فالإسلام لا يحث على الكراهية ولا يحرّض ضد الآخر ولا يجيز الاعتداء على المخالفين. إن كل ما يمارَس خلاف ذلك لا يتحمله الإسلام بل يتحمَّله الداعون إليه والراعون له من لصوص النصوص الذين يتخذون من الإسلام غطاءً لتبرير جرمهم وعدوانهم. إن الإسلام الذي حرر الإنسانية لا يمكن أن يُتَّهم بالإرهاب أو يُنعت بالتطرُّف، وبمعاداة الآخر.
رغم أن محكمة فرنسية برّأت مارلين لوبان من تهمة انتهاك قوانين تتعلق بخطاب الكراهية على خلفية نشرها أواخر عام 2015 على تويتر صورا لأعمال وحشية ارتكبها تنظيم “داعش” وربطها بالإسلام، إلا أن هذه التبرئة ليست دليلا على براءة ذمتها من تصريحات كثيرة مستفزة، لا تُفسَّر إلا بدافع الكراهية الذي لا ينفصم عن شخصيتها
إن دعوة التجمع الوطني الفرنسي إلى تشديد قوانين الهجرة من خلال مراجعة اتفاقية 1968 المتعلقة بالهجرة، تهدف أساسا إلى الانتقام من الجزائر المستقلة والانتصار لفرنسا الاستعمارية، وبالتالي فهي دعوة إلى الكراهية، تتنافى مع مبادئ العدالة الإنسانية ويمكن أن تُتخذ دليلا كافيا لمحاكمات محتملة لحزب التجمع الوطني الذي يخوض في الشأن الجزائري بوقاحة منافية للأدبيات الأخلاقية والأعراف السياسية.
لقد آن للجالية الجزائرية وللجاليات العربية والإسلامية أن تتنفَّس الصعداء بعد فشل التجمع الوطني الفرنسي في الحصول على الأغلبية المطلقة والنسبية في آن واحد، وصعود أحزاب اليسار التي تؤمن بالانفتاح على الآخر ومعاملة الفرنسيين والمقيمين على أراضيها على أساس مبدأ المواطنة وليس على أساس أصولهم العرقية.
لقد راهنت لوبان وبارديلا على اكتساح الجمعية الوطنية الفرنسية وتشكيل حكومة جديدة يرأسها “بارديلا”، لكن عجز التجمع الوطني عن تحصيل الأغلبية المطلقة وحتى الأغلبية النسبية التي آلت لأحزاب اليسار، قد قضى على حلمه ولو إلى حين وأراح الفرنسيين من شرِّه.


تقييم:

0

0
مشاركة:


التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة