فضاءات جنين بورزق

جنين بورزق

فضاء التقنية وعوالمها

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
حجيرة ابراهيم ابن الشهيد
مسجــل منــــذ: 2010-10-19
مجموع النقط: 3045.7
إعلانات


الجزائر وطموح تصنيع السيارة الوطنية بقلم: زاهير روابح

الرأي

الجزائر وطموح تصنيع السيارة الوطنية

بقلم: زاهير روابح

2023/08/07

تثار منذ مدة تجاذبات كبيرة حول صناعة أو تركيب السيارات في الجزائر، وكذا أخبار عن فتح مصانع لصناعة أو تركيب السيارات هنا وهناك ببعض الولايات وعن حلم تصنيع السيارة الجزائرية، ولعل هذا ما دفعي للكتابة في هذا الموضوع المهم وخصوصا من الناحية التقنية ومدى قدرة وإمكانية وأهمية القيام بتركيب أو تصنيع السيارات، وهذا من خلال التطرق لتجارب بعض الدول في مجال تصنيع السيارات لاسيما تجربتي تركيا وماليزيا، واختيار هذين البلدين كان على أساس التقارب معهما تنمويا واقتصاديا خلال سبعينات القرن الماضي، وكذا بناء على معرفتي المتواضعة ببعض الجامعات الماليزية والتركية وببعض صناعاتهما.

من الأساليب الناجعة في إنجاح المشاريع الاقتصادية الجديدة مثل مشروع تصنيع السيارات أن تلجأ الدول إلى الاستفادة من التجارب الناجحة لدول أخرى بقياس وتحليل الإطار المرجعي أو ما يسمى تقييم الأداء أو المقارنة المرجعية في هذا المجال، والتي تعدّ إحدى الأدوات الحديثة المستخدمة التي أثبتت فعاليتها لقياس وتحسين أداء مستوى المؤسسات وقيادته نحو الأهداف المسطرة وسد الفجوات الحاصلة، وكذا رصد أفضل الممارسات الصناعية للشركات الأخرى، وهذا على مستوى الأبعاد المُقاسة عادةً وهي الجودة والوقت والتكلفة.

وبناء على ذلك يمكن وضع نموذج عمل يتلاءم مع الواقع الاقتصادي وإمكاناتنا الصناعية والتكنولوجية والبشرية بالجزائر.

بالنسبة للتجربة الماليزية، فقد بدأت مشروعها محليا عام 1983 عندما أنشئت شركة “بروتون” عن طريق شراكة مع الشركة “ميتسوبيشي” اليابانية، وتمّ بعد ذلك تصنيع أول سيارة محلية في أكتوبر 1992 وتم إنشاء شركة “بيرودوا” بالشراكة مع “دايهاتسو” اليابانية والتي تنتج سيارات ماليزية بمحرك ياباني مع تصنيع نسبة عالية من المكونات وقطع الغيار. وتوجد حاليا في ماليزيا أربع شركات لصناعة وتجميع قطع السيارات وهي بروتون وبيردوا واينوك ومونازا.وتقوم ماليزيا بتصدير سياراتها إلى الكثير من دول العالم، كما أصبحت شركتا بروتون وبيردوا تشكلان ما لا يقل عن 70% من إجمالي عدد السيارات المباعة سنويا في السوق الماليزية. وقد استعانت الحكومة الماليزية في البداية بخبرات يابانية “شركة ميتسوبيشي” لإدارة المصنع حتى تعلّم الماليزيون منهم تكنولوجيا صناعة السيارات، إضافة إلى الانضباط ومهارات التسيير وأخلاقيات العمل أيضاً.

أما التجربة التركية في صناعة السيارات فقد شهدت أربع محاولات فاشلة لصناعة السيارات، ففي سنة 1961 كانت أول محاولة، إذ رأت السيارة التركية الأولى “ديفريم” النور وأنتِج منها 4 نسخ فقط. وكانت أهم تجربة هي صناعة سيارة “الأناضول” سنة 1966 وتم إنتاج 93 ألفا و188 سيارة للسوق، بينها 62 ألفا و923 سيارة عادية و30 ألفا و265 من نوع “بيك آب” قبل أن يتوقف إنتاجُها في العام 1984.

خلال العقود الماضية، امتلكت تركيا حقوق تصنيع مجموعة من السيارات مثل فولكس فاغن الألمانية وكذا حقوق خطوط إنتاج العديد من السيارات الأوروبية الأخرى واليابانية والكورية ورونو الفرنسية وهوندا وهونداي وفورد تورينو كونيكت وفيات ومرسيدس.

وبرغم المحاولات الفاشلة لصناعة السيارة التركية المحلية، كما ذكرنا سابقا، استطاعت تركيا إحياء حلمها الوطني بصناعة السيارة الكهربائية “توغ” وذلك بالاعتماد على تجاربها في إنتاج مختلف أنواع السيارات المذكورة أنفا وكذا إنشاء مجمع “توغ” الذي يضم خمس شركات صناعية تركية عملاقة هي مجموعة “الأناضول” و”بي أم سي” و”كراجا القابضة” ومجموعة “توركسيلو زورلو القابضة” وبالتعاون مع وزارة العلوم والصناعة والتكنولوجيا واتحاد الغرف والبورصات التركي. وما ساعد تركيا على إنجاز سيارتها المحلية في ظرف خمس سنوات فقط (2018-2023)، هو الخبرات الكبيرة التي امتلكتها منذ عشرات السنوات إذ يشتغل بسوق تصنيع السيارات بمختلف الشركات نحو 400 ألف عامل، كما تمتلك تركيا 50 مركزا بحثيا متخصصا في دراسات إنتاج السيارات وتطويرها.

وبناء على ما سبق، يتضح جليا أن نجاح مشاريع تصنيع السيارات لكل من ماليزيا وتركيا إعتمد أساسا، على جلب استثمارات كبرى شركات صناعة السيارات العالمية، وهذا ليس من أجل العائدات المالية المهمة فقط ولكن كذلك لاكتساب الخبرات وتكوين اليد العاملة الفنية بأعداد كبيرة. إضافة إلى ذلك تم الاعتماد على تقوية علاقة التعاون بين الجامعات والصناعة في أنماط مختلفة من التعاقدات من تبادل المعرفة، البحث والتطوير، أعمال الاستشارات، تدريب موظفي الشركات. وتعتبر العلاقات مع القطاعات الصناعية مصدرا للمعرفة ومحفزا لتطوير البحث والتطوير في الجامعات. والبحث في مجال التطوير والابتكار بين المؤسسات البحثية والمؤسسات الصناعية، يؤكد على نطاق واسع، الدور البارز للتعاون في تسريع نجاح نقل المعرفة وتطوير المنتجات، علاوة على ذلك، فإن الكثير من الدراسات أثبتت أن مستوى الابتكار التكنولوجي لشركة ما ساهم في أدائها الاقتصادي وزيادة حصتها في السوق. من ناحية أخرى، تملك تركيا وماليزيا، بُنى صناعية ضخمة وحديثة في شتى المجالات ووجود مصانع وشركات مناولات متنوعة تقوم بتصنيع قطع غيار وتجهيزات داخلية تُستخدم في صناعة السيارات.

والجدير بالذكر أنه سواء في تركيا أو في ماليزيا فقد قوبلت مشاريع تصنيع السيارات بالسخرية وبكثير من السلبية، من قبل الكثير من المواطنين والمعارضة وحتى بعض النخب السياسية ووصفوها بـ”الفاشلة” سلفاً، وهذا رغم القاعدة العلمية والصناعية والتكنولوجية المحترمة التي يمتلكانها وخصوصا مقارنة بالجزائر.

والصناعة الجزائرية تعتمد، في عمومها، على عميات التركيب الجزئي أو الكلي ماعدا بعض الصناعات التحويلية الخاصة، كما تعاني كذلك من ضعف نسبة الادماج الوطني في العمليات الصناعية أو التركيبية، إضافة إلى عدم كفاءة ونجاعة تقنيات التسيير وإدارة الأعمال وكذا ضعف هيكل الاقتصاد الوطني تكنولوجيًّا.

إضافة إلى كل هذا، الهوة الكبيرة الموجودة بين الجامعات ومراكز البحث، من جهة، والقطاع الصناعي، من جهة أخرى؛ فلا تكاد توجد اتفاقيات تعاون جادة ومثمرة تخص البحث التكنولوجي الصناعي، وإن وُجدت وعلى قلتها تبقى دون تجسيد، وقد اقتصر دور بعض المؤسسات الاقتصادية، تقريبا، على المساهمة في رعاية بعض التظاهرات العلمية واستقبال الطلبة في إطار زيارات علمية.

نجاح مشاريع تصنيع السيارات لكل من ماليزيا وتركيا إعتمد أساسا، على جلب استثمارات كبرى شركات صناعة السيارات العالمية، وهذا ليس من أجل العائدات المالية المهمة فقط ولكن كذلك لاكتساب الخبرات وتكوين اليد العاملة الفنية بأعداد كبيرة. إضافة إلى ذلك تم الاعتماد على تقوية علاقة التعاون بين الجامعات والصناعة في أنماط مختلفة من التعاقدات من تبادل المعرفة، البحث والتطوير، أعمال الاستشارات، وتدريب موظفي الشركات.

ولتدارك هذا النقص الفادح حاولت الحكومة ووزارة التعليم العالي خلال السنوات الماضية، الولوج في البحث العلمي التكنولوجي الصناعي لا سيما في إطار مشاريع البحث الوطنية الأخيرة (PNR) إلا أنه من السابق لأوانه تقييم أداء هذه المشاريع بحكم حداثتها من جهة وبحكم أن عمليات البحث التطويري (أو التكنولوجي أو الصناعي) تتطلب أعمالا جبارة ولمدة متوسطة وطويلة ولمؤسسات مشرفة مقتدرة وجادة وحسن اختيار الخبراء المختصين، كما يحتاج كذلك إلى تمويل مالي كبير.

وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققته الكثير من الدول على غرار البرازيل والمكسيك ورابطة دول جنوب شرق آسيا (ماليزيا وتايلاند والفلبين وإندونيسيا)، والهند والصين، إلا أنها قامت بوضع قيود على واردات السيارات والمكوِّنات، لحماية صناعاتها الوطنية. وهذا ما يدلل على أن قطاع صناعة السيارات ليس بالأمر البسيط كما يتصوره البعض، بل يحتاج إلى التحكم الكبير في الكثير من التكنولوجيات والأدوات والهياكل والأنسجة الصناعية ومراكز البحث والتطوير لمواكبة التطورات واكتساب أدوات المنافسة.

ولعل هذا الذي دفع الجزائر إلى إحياء الشراكة مع بعض شركات تصنيع السيارات على غرار المشروع الذي هو في إطار الإنجاز مع شركة فيات الإيطالية والسعي لجلب استثمارات شركات عالمية أخرى، وكذا تقوية وحدات الإنتاج العسكرية لشاحنات ومركبات مرسداس لنقل الأشخاص والبضائع، لمعالجة ضعف الإنتاج وضعف حتى التركيب الجزئي أو الكلي للسيارات بالجزائر.

الدراسات تكاد تجمع على أن المحركات الكهربائية التي تعمل ببطاريات قابلة لإعادة الشحن هي محركات سيارات المستقبل، وهذا مما توفره من حماية للبيئة وكفاءة عالية تصل إلى 80 في المائة وتفوق بدرجة كبيرة كفاءة محركات الاحتراق الداخلي التقليدية ذات كفاءة 20 بالمائة، كما يمكن للمحركات الهجينة بين الكهرباء والهيدروجين أن تكون خيارا مناسبا.

قد يبدو للبعض أن الواقع الاقتصادي للجزائر وخياراتها الاقتصادية المتنوعة يجعل مشروع صناعة سيارة جزائرية أو مرْكبات جزائرية بمختلف أنواعها، ليس من أولى الأولويات الاقتصادية. لكن في البلدان الصناعية، المساهم الرئيسي والقلب النابض في اقتصادها هو قطاع صناعة السيارات، فهو سادسُ أهمِّ قطاع على المستوى العالمي، بحكم أن تصنيع المرْكبات أمرٌ أساسي لدعم مختلف قطاعات الدولة مثل السياحة، والنقل، وإنشاء الطرق، والزراعة، والنقل العسكري والأمني… إلخ. لذلك فإن أي ضعف أو اضطراب في صناعة المرْكبات يمكن أن يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني. ومنه، فإن من الحكمة وحسن التخطيط والتدبير وضع هذا المشروع هدفا استراتيجيا يمتد لفترة متوسطة أو بعيدة المدى، وفق تخطيط محكم وعقلاني ومنظومة صناعية متكاملة، إذ يبدأ بجلب أكبر عددٍ من الشركات الأجنبية لصناعة السيارات لإنتاج سياراتها بالجزائر لكسب التجارب والخبرات ونقل ما أمكن من التكنولوجيا وتكوين كفاءات فنية وإدارية وبحثية تطويرية لتأطير هذا القطاع.

يبدو أن النموذج الماليزي هو الأكثر ملاءمة ونفعا وضمانا لمشروع تصنيع السيارة الجزائرية مع الاستفادة من التجربة التركية وتجارب البلدان الأخرى؛ إذ يتم التعاقد مع إحدى الشركات الكبرى لصناعة السيارة الوطنية وذلك وفق مراحل عديدة، تبدأ بتصنيع سيارات هذه الشركة والعمل على إنتاج السيارة الوطنية ببداية وضع التصاميم اللازمة ثم الإنتاج التدريجي لمختلف قطع الغيار للوصول الى نسبة ادماج عالية لإخراج السيارة الجزائرية للنور.

ولتحقيق هذا الهدف المشروع وفي ظل توفر إرادة سياسية من خلال تصريحات عديدة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون كان آخرها خلال افتتاح المعرض الدولي في ديسمبر 2022: “إن عهد التركيب قد تولى”، فإنّ صناعة السيارة الوطنية يحتاج إلى خطوات متوازية وخطية عديدة، ومنها أساسا:

تشكيل هيئة وطنية لإنتاج السيارة الوطنية، تحت وصاية الوزارة الأولى، تتشكل من بعض الوزارات (وزارتي الصناعة والتعليم العالي والبحث العلمي) وبعض الشركات الكبرى وغيرهما، تقوم بوضع إستراتيجية مدروسة وعقلانية محددة المدة (قد تصل إلى اثنتي عشرة سنة أو خمس عشرة سنة) وهذا وفق نموذج عمل يتناسب مع واقعنا الاقتصادي وإمكاناتنا الصناعية والبشرية بما فيها الهيئات البحثية التطويرية.

جذب الاستثمارات الأجنبية في صناعة السيارات، وتقديم بعض الحوافز والتسهيلات اللازمة وفق عقود شراكة رابح-رابح، تعمل على جلب مداخيل إضافية واكتساب الخبرات وتكوين اليد العاملة ونقل التكنولوجيا.

توفير بنى صناعية كبيرة وحديثة في شتى المجالات وذلك لتصنيع قطع غيار وتجهيزات السيارات، سواء تكون تابعة للشركة الأم لصناعة السيارات أو عن طريق المناولة.

تشجيع الابتكار والتطوير التكنولوجي، بدعم الجامعات والأبحاث التطويرية وخلق مخابر ومراكز بحث متخصِّصة.

تصميم السيارة الوطنية واختيار التكنولوجيات اللازمة التي تضمن التنافسية في ظل ازدهار الشركات العالمية، وهذا يحتاج إلى فهم احتياجات العملاء المحتملين وتطوير استراتيجيات حول كيفية تلبيتها لتكون قادرة على المنافسة بشكل أفضل مقارنة بالمنافسين الآخرين في الدول المختلفة. خصوصا وأن تكنولوجيات صناعة السيارات تتميز بالتعقيد والدقة ولعل أهمها هو اختيار تكنولوجيا المحرك، إذ أن الدراسات تكاد تجمع على أن المحركات الكهربائية التي تعمل ببطاريات قابلة لإعادة الشحن هي محركات سيارات المستقبل، وهذا مما توفره من حماية للبيئة وكفاءة عالية تصل إلى 80 في المائة وتفوق بدرجة كبيرة كفاءة محركات الاحتراق الداخلي التقليدية ذات كفاءة 20 بالمائة، كما يمكن للمحركات الهجينة بين الكهرباء والهيدروجين أن تكون خيارا مناسبا.

الإنتاج التدريجي لمختلف قطع الغيار للوصول الى نسبة إدماج عالية لإخراج السيارة الجزائرية إلى النور.

ومن خلال ما سبق، يبدو أن النموذج الماليزي هو الأكثر ملاءمة ونفعا وضمانا لمشروع تصنيع السيارة الجزائرية مع الاستفادة من التجربة التركية وتجارب البلدان الأخرى؛ إذ يتم التعاقد مع إحدى الشركات الكبرى لصناعة السيارة الوطنية وذلك وفق مراحل عديدة، تبدأ بتصنيع سيارات هذه الشركة والعمل على إنتاج السيارة الوطنية ببداية وضع التصاميم اللازمة ثم الإنتاج التدريجي لمختلف قطع الغيار للوصول الى نسبة ادماج عالية لإخراج السيارة الجزائرية للنور، وهذا إلى جانب الاعتماد على الركائز المختلفة المذكورة آنفا لاسيما البحث والتطوير والابتكار والتدريب وجلب الخبرات ونقل التكنولوجيا. إضافة إلى قاعدة رابح- رابح، يبدو وفق المعطيات المستجدة الجيوستراتيجية ومعطيات الاقتصاديات العالمية أن الظروف جد مناسبة لعقد شراكات كبرى في إطار قاعدة “التكنولوجيا مقابل الطاقة”.

للموضوع مراجع


تقييم:

0

0
مشاركة:


التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة