فضاءات جنين بورزق

جنين بورزق

فضاء القرآن الكريم والسنة النبوية

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
حجيرة ابراهيم ابن الشهيد
مسجــل منــــذ: 2010-10-19
مجموع النقط: 3050.2
إعلانات


ماذا لو بُعث الشّفيعُ بيننا؟!

عشنا أيام ربيع الأنوار، وسمعنا في بيوت الله دروسا وخطبا عن سيرة حبيبنا المصطفى المختار، ولا شكّ في أنّنا جميعا تمنّينا لو رأينا شفيعنا -عليه الصّلاة والسّلام- واكتحلت عيوننا بوجهه الأنور وجبينه الأزهر، وقبّلت شفاهنا يديه الشريفتين، وسمع آذاننا كلماته الحانية.. تمنّينا لو أدركنا ذلك الزّمان الذي عاش فيه الحبيب -صلّى الله عليه وسلّم- ولعلّ بيننا من يظنّ أنّه لو كان من أهل ذلك الزّمان لكان -يقينا- مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ولما توانى لحظة في بذل نفسه وأهله وماله نصرة لحبيبه عليه الصّلاة والسّلام..

جميعنا يظنّ أنّ المواقف العظيمة التي وقفها خيرة الأصحاب في نصرة النبيّ الخاتم -عليه الصّلاة والسّلام- كان يمكن أن يقفها كلّ من عاش زمانا مثل ذلك الزّمان.. لكن، لنكن على يقين بأنّ الأمر ليس بالسّهولة التي نظنّها.. اليهود كانوا ينتظرون بعثة نبيّ آخر الزّمان، ويتوعّدون به المشركين، لكنّه حين بعث كذّبوه وتآمروا عليه ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 89).. والنبيّ -عليه السّلام- كذّبه كثير من أقربائه وكثير ممّن كانوا يعرفون صدقه وأمانته وخبروا معدِنه.

لا يدري الواحد منّا أنّه لو عاش في ذلك الزّمان، ربّما كان بمكّة في صفّ أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف، وربّما كان في المدينة مع عبد الله بن أبي بن سلول وجلاّس بن سويد وأوس بن قيظي، ومن هم على شاكلتهم.. فلْنحمد الله على أنّنا وُلدنا فوَجدنا والدينا وكلّ من هم حولنا مسلمين، فنشأنا على الإسلام وتربينا عليه.

لم نعرف في نشأتنا ومِن حولنا دينا غير الإسلام، ومع ذلك لم نقدر النّعمة التي حظينا بها حقّ قدرها، فاتخذ كثير منّا دينهم لهوا ولعبا وشعارات وكلمات تلوكها الألسن ولا تجد لها مكانا في الواقع! فماذا لو بعث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في زماننا؟ نحن نؤمن به ونحبّه ونشتاق إلى لقائه والوردود على حوضه والسكنى في الجنّة قريبا منه، لكن هل سنطيعه ونقدّم أمره ونهيه على أهواء نفوسنا وعلى مصالحنا؟ ماذا لو بعث النبيّ العدنان وزار أسواقنا فوجد مسلمين يؤمنون به ويشهدون أنّه رسول الله ومع ذلك يحلفون بالكذب ويغشّ بعضهم بعضا ويحتال بعضهم على بعض؟ ماذا لو تجوّل في شوارعنا ورأى الأوساخ والقمامة في كلّ مكان، وهو الذي أوصانا قائلا: “نظّفوا أفنيتكم ولا تشبّهوا باليهود”؟ ماذا لو بعث ورأى نساءنا يزاحمن الرّجال في الأسواق من غير ضرورة، ورأى بناتنا يتلاعبن بالحجاب ويقهقهن ويرفعن أصواتهنّ في الشّوارع والمدارس؟ لو بعث حبيبنا -عليه الصّلاة والسّلام- بيننا لربّما بكى أسفا على لباس زوجاتنا وبناتنا وأبنائنا، وربّما ذرف الدّموع حرّى لحال شبابنا الذين أصبحوا عبيدا للتيكتوك والماسينجر، وأصبحت تستعبد الواحدَ منهم نظرة أو كلمة من لعوب مستهترة! لو كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بيننا لربّما بكى على حال أبنائنا الذين يصبحون نياما عن صلاة الفجر، وعلى حال بناتنا اللاتي لا همّ لهنّ إلا اللّباس والزّينة، ولا حديث لهنّ إلا عمّا لبست فلانة وتحلّت به علانة.. لو بعث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ودخل بيوتنا لربّما بكى على مصاحفنا التي غطّاها الغبار بعد رمضان وقال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾. لو دخل بيوتنا ورأى أجهزة التلفاز التي تحوي عشرات القنوات التافهة التي تبثّ الأغاني والأفلام والمسلسلات، وألقى نظرة على الهواتف التي نملكها ورأى الصفحات التافهة التي نتابعها والمنشورات التي نكتبها ونشاركها والفيديوهات التي نشاهدها، واطّلع على رسائل الخاصّ ومحادثات الدردشة، لحزن أشدّ الحزن لما آلت إليه أحوال كثير منّا.. لو بعث النبيّ ودخل مساجدنا ورأى كيف حولناها إلى أسواق ومقاهٍ، ننشغل فيها بالفاني عن الباقي؛ في كل زاوية جماعة لا حديث لهم إلا الدنيا ولا شغل لهم إلا الغيبة، لَأَسف غاية الأسف أنّنا نسينا تحذيره حينما قال: “يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همتهم إلا الدنيا، ليس لله فيهم حاجة، فلا تجالسوهم” (صحّحه الحاكم والذهبي).

شفيعنا -عليه الصّلاة والسّلام- تلهّف شوقا لرؤيتنا، لكن ماذا لو رآنا حقيقة، هل سيفرح ويسعد بحالنا جميعا؟ أم إنّه سيحزن ويتألّم وربّما يبكي لما يراه من أحوال كثير منّا ويعاينُه من بعدنا عن ديننا وتعلّق قلوبنا بالدّنيا وبالمآكل والمشارب والملابس والسيارات، وتنافسنا في الأراضي والسكنات…

لو كان النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام- بيننا لبكى أسفا على شرع الله الذي نُبِذ نبْذ النوى، وبكى لحال دويلات المسلمين التي يتآمر بعضها على بعض ويتحالف بعضها مع الأعداء ضدّ بعض، وبكى لدماء المسلمين التي تسيل في مشارق الأرض ومغاربها، ولأسِف أشدّ الأسف على انتشار الربا حتّى أصبح يُشهر له ويتداعى بعض المسلمين إليه جهارا نهارا، وعلى انتشار الرشوة حتّى أصبحت معاملة عادية عند كثير من المسلمين، ولامتلأ أسفا للانتشار المخيف للخمور والمخدرات بين شباب الأمّة.. لو يعث النبيّ في زماننا لبكى أسفا لحال ملايين المظلومين والمقهورين والمحرومين، ولمصير العلماء الذين يحيون دينه ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ممّن امتلأت بهم السّجون في كثير من بلاد الإسلام.. لو كان بيننا لأسف لحال بعض علماء أمّته الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا.

لو بعث النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في زماننا لبكى على هذا الاختلاف الحاصل بيننا وهذا التفرّق الذي مزّق جسد أمّتنا.. لو كان بيننا لبكى لحال قبلة المسلمين وما يُقترف حواليها من فواقر.. لو كان بيننا لبكى لحال شباب الأمّة الذين اتبعوا سنن النصارى وتركوا سنته؛ تشبّهوا باللاعبين والممثلين وتركوا التشبّه بشفيعهم، يعرفون أسماء اللاعبين وتفاصيل حياتهم حتى رقم الحذاء الذي يلبسه اللاعب المشهور وحتى الأكلة المفضلة لديه، ولا يعرفون شيئا عن شفيعهم.. لو بعث النبيّ -عليه السّلام- بيننا لبكى لحال بنات المسلمين اللاتي يعرفن كلّ التفاصيل المتعلقة بالممثلات والمؤثرات والمشهورات، ولا يعرفن أسماء أمّهات المؤمنين ولا أسماء بنات النبيّ -صلّى الله عليه وسلم- ويعرفن التيك توك وينجُسن أبصارهنّ بالاطلاع عليه صباح مساء، ولا تفتح الواحدة منهنّ مصحفا إلا نادرا ولا تحفظ جزءًا واحدا من كتاب الله.

إذا لم يكن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بيننا، وليس ممكنا أن يُبعث مرّة أخرى، فأحاديثه بيننا ولا يكاد يوجد حديث من أحاديثه إلا سمعناه إما في المساجد على ألسنة الأئمّة أو من التلفاز أو قرأناه على هواتفنا.. لكن كم حديثا منها عملنا به في أنفسنا وبيوتنا وأهلينا وأبنائنا؟ وكم حديثا من أحاديثه خالفنا؟

الهداية لا تتوقّف عند محبّة النبيّ -صلّى الله عليه وسلم- والصلاة عليه عند سماع اسمه، ولا حتّى عند الشّوق إلى لقائه، بل لا بدّ من طاعته: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النور: 54). وعندما نتحدّث عن اتّباع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فهو لا يقتصر على الاهتمام بمعرفة سمته الظّاهر ولا يقف عند إحياء سننه في الصّلاة، بل يكون قبل ذلك ومعه في عظائم الأمور؛ في إخلاص الدّين لله واجتناب الرياء في العبادات والمعاملات، في المحافظة على الصلاة لوقتها، في تلاوة القرآن، في برّ الوالدين وصلة الأرحام وإحسان الجوار، في اجتناب الغيبة، في طهارة القلب من الحسد والحقد والضغينة، في الحرص على لقمة الحلال، في حفظ الأمانات، في طاعة الأزواج والإحسان إلى الزّوجات، في الحرص على صلاح الأبناء، في بعد الرجال عن التشبه بالنساء وبعد النّساء عن التشبه بالرجال، في الوفاء بالعهد والوعد، في أداء الحقوق وسداد الديون، في غضّ البصر والسّمع عمّا حرّم الله…

شهر ربيع الأنوار، كان محطّة، ينبغي ألا تكون عابرة ننسى بعدها حقوق حبيبنا المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- وننسى أنّ من لوازم الشّهادة له بالرّسالة أن يظلّ حيا في حياتنا كلّها: في دساتيرنا ونُظمنا وقوانيننا، في اهتمامنا بقضايا إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في تعاملنا مع الآخر، في عباداتنا وفي معاملاتنا، في نظرتنا للحياة وتعاملنا مع الدّنيا، في أنفسنا وفي بيوتنا وفي أماكن عملنا، وفي أسواقنا وشوارعنا وطرقنا.. وينبغي أن يحذر كلّ واحد منّا -أيا كان موقعه أو منصبه أو مكانه- أن يكون يوم القيامة ممّن يطردون عن حوض النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ويقال للنبيّ -عليه الصّلاة والسّلام-: “إنّك لا تدري ما أحدث بعدك”! حينها لا ينفع العبدَ المطرود احتفاله بالمولد ولا محبّته القلبية لصاحب الحوض المورود والشّفاعة الكبرى، قال -عليه الصّلاة والسّلام-: “كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلا من أبى”، قيل: يا رسول الله، ومن يأبى؟! قال: “من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى” (البخاري).

سلطان بركاني

2022/10/26


تقييم:

0

0
مشاركة:


التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة