فضاءات بشار

بشار

فضاء أعلام ورجالات وعوائل

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1682.61
إعلانات


“الأمير عبد القادر الجزائري مُلهم الشعب الفلسطيني وأحرار العالم”

الرأي

بين الشّعبين الجزائري والفلسطيني في ملحمة الجهاد (1)

“الأمير عبد القادر الجزائري مُلهم الشعب الفلسطيني وأحرار العالم”

علي محمد الصلابي

2023/09/05

أرشيف

الأمير عبد القادر

يمثل الأمير عبد القادر الجزائري (رحمه الله) تجربةً نضاليةً فريدة من نوعها في مقاومة المستعمرين، نظراً لشجاعته، وهيبته، وصبره، وحزمه، وقدرته على تولي القيادة، والتعامل مع الأزمات في ظل أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الجزائر بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830م. فالأمير عبد القادر حصل على مبايعة الجزائريين له أميراً للقبائل والجهاد عام 1832م، وقيادة الجزائر للتحرر من الاستعمار بعد والده (رحمه الله).

وعلى الرغم مما قرأنا وعرفنا عن تجارب قادة ومجاهدين، وسلاطين وأمراء، وأئمة وعلماء في التاريخ الإسلامي، لكن تجربة الأمير عبد القادر كانت استثنائية في تلك المرحلة التي ظهر فيها. وقد كان أمامه نماذج من الحكام المسلمين؛ السلطان العثماني في إسطنبول، وشاه إيران في إيران، وملك أفغانستان، ثم ولاة من أمثال باي تونس، وباشا مصر، وإمام اليمن، غير أنه لم يقلد واحداً منهم في إدارته وعلاقاته وخططه الديبلوماسية والعسكرية، وإنما اختار أن يكون مثله الأعلى ونموذجه القيادي هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه الراشدين وقادة الأمة البارزين في ساحات الجهاد، ولذلك بذل قصارى جهده لبناء أسس الإسلام، وتعزيز القيم الإسلامية الحضارية الرفيعة، والمبادئ الروحية والإنسانية في دولته الناشئة، ولهذا اعتُبر نموذجاً مُلهماً على مرّ العصور، وهو ما يمكن أن يستفيد منه أبناء الشعب الفلسطيني وأحرار العالم في دربهم النضالي، وجهادهم لنيل حقوقهم وحريتهم وكرامتهم، واسترداد بلادهم المحّتلة.

الأمير عبد القادر الجزائري؛ أصله ونشأته التربوية

هو عبد القادر بن محيي الدين بن مصطفى بن محمد، ويرجع في نسبه إلى إدريس الأكبر بن عبد الله المحصن بن حسن المثنى بن حسن السبط بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما). وقد كانت أسرة الأمير عبد القادر تعتز بامتداد نسبها إلى هذا المعدن الشريف، فهم من نسل إدريس الذي هاجر إلى المغرب تحت ضغط العباسيين وأسس دولة الأدارسة. وقد ولد الأمير عبد القادر الجزائري في (25 أيلول/ سبتمبر 1807م) في قرية القيطنة بالجزائر، وأمه السيدة بنت عبد القادر ابن خدة، وهي تنحدر من بيت علم وتقوى، فتلقى دروسه الابتدائية في مسقط رأسه تحت إشراف والده؛ وختم القرآن الكريم قبل أن يبلغ الحادية عشرة، وتعلم مبادئ شتّى العلوم اللغوية والشرعية، ونال درجة الطالب، وكُلف بتحفيظ القرآن للأطفال، وإلقاء الدروس والتفسير في الزاوية القادرية (فكر الأمير عبد القادر الجزائري، بديعة الحسني، ص 33. وانظر: حوار مع الأمير عبد القادر، ص 92).

ومن أجل إتمام دراسته سافر إلى مدينة أرزيو الساحلية شمال مدينة معسكر عام 1821م ، وذلك على يد القاضي الشيخ أحمد بن الطاهر البطيوي الذي كان مشهوراً بغزارة العلم وسعة الاطلاع، وبعدها رحل إلى مدينة وهران إلى مدرسة العالم الفقيه أحمد بن خوجة، صاحب رائعة در الأعيان في أخبار وهران، وتوسع في المعارف اللغوية والفقهية والنحو والبيان والفلسفة والمنطق وصقل ملكاته الأدبية والشعرية، واجتهد في حضور حلقات العلم لعلماء وهران، مثل الشيخ مصطفى الهاشمي والشيخ بن نقريد، وقضى عامين كاملين في هذه الرحلة العلمية، وعاد إلى مسقط رأسه وتزوج بابنة عمه الآنسة خيرة بنت أبي طالب عام (1823م) وأقام في القيطنة معلمًا (حوار مع الأمير عبد القادر، ص 92).

وكانت له رحلات علمية لجامع القرويين والزيتونة، وكانت البيئة التي عاش فيها بيئة إسلامية وتربوية إيمانية واجتماعية متماسكة، وفي ظلها تكونت شخصيته، وهي التي أثرت في تكوينه النفسي والجسماني والفكري والاجتماعي والسياسي (فكر الأمير عبد القادر الجزائري، بديعة الحسني، ص 69).

الصفات والفضائل الحميدة للأمير عبد القادر الجزائري

كُتبت عشرات الرسائل والكتب والمذكرات التي تحدثت عن الأمير عبد القادر الجزائري، إذ وصف مؤرخون وكُتاب كثر السجايا والعادات والأذواق والسلوك الاجتماعي والأخلاقي للأمير عبد القادر، ومنها: أنّه كان يزدري الترف في الملابس، فكانت كسوته بسيطة ونظيفة، وكان غاية في التدين، ويحمل مسبحة لا يقف عن التسبيح بها ذاكراً اسم الله، وكان باستطاعته امتطاء الفرس لمدة يوم أو يومين، ولم يكن قاسيًا بطباعه، ولم تسيطر خيرات الأرض على قلبه. وقد كان نموذجاً رائعاً في الزهد والورع والتقى، إذ خلال حكمه ومعاركه كان يؤم جنوده ومرافقيه في الصلاة بغالب الأوقات، وكان يتأمل ويتدبر في معاني “القرآن الكريم” الذي كان زاده الروحي والعقلي، ومرجعه الأول في خطبه ومواعظه، وكان يستلهم الصلابة والصمود من إيمانه العميق، والمنهج الرباني في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والرخاء والشدة.

الأمير عبد القادر الجزائري: النموذج الملهم في القيادة وبناء الدولة

ظهرت عبقرية الأمير عبد القادر الجزائري في طريقته بإدارة وبناء الدولة في المجالات العسكرية والسياسية والديبلوماسية والاقتصادية والقضائية والتربوية والثقافية. (انظر: مقال الأمير عبد القادر الجزائري وبناء الدولة الجديدة، علي محمد الصلابي، 26/08/2018). وسنستعرض أبرز الملامح والإستراتيجيات في بناء الدولة عند الأمير عبد القادر الجزائري، وهي:

– تأسيس الجيش النظامي وزوده بالأسلحة المتطورة وقسمه للمشاة والخيالة والمدفعية، وذلك بعد معارك طاحنة خاضها الأمير ضد الجيوش النظامية الفرنسية (فارس الجزائر، مصطفى طلاس، ص 139).

– تقسيم المناطق إلى فيدراليات (8 ولايات)، حيث عمل الأمير عبد القادر الجزائري على تنظيم الجبهة الداخلية وتوطيدها وهي الأساس الأول الذي ينبغي أن تقوم عليه حرب التحرير، وكان يعمل على كسب الوقت في مفاوضة الفرنسيين لاستكمال هذا التنظيم. واختيار موظفي الدولة من أبناء الشعب وأصحاب الكفاءة والخبرة الاجتماعية والقبلية والمؤسسيّة. وصكّ عملة باسمه، واستطاع تأسيس دولة ذات طابع جزائري خاص، وحدد الأهداف في نشر الأمن وتوحيد الجزائريين ومقاومة المحتلّ الفرنسيّ (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة في حقبة من تاريخ الجزائر،ص 41).

– السلطة القضائية: كانت السلطة القضائية في دولة الأمير عبد القادر منفصلة عن السلطة التنفيذية، بقدر ما كان من يمارسها منفّذاً للقانون، ويعتمد أسس الشريعة الإسلامية، وليس ممثلاً للأمير، مع أنّ هذا الأخير هو الذي يعينه، وقد كانت صلاحيته واسعة، تشمل نظام الأحوال الشخصية والميراثية، والشؤون العقارية، وكان أيضاً يصادق على العقود المحررة من طرف الكاتب الشرعي، أو الموثق الذي كان يزاول وظائفه في مقر القضاء، كما كانت صلاحية القاضي تمتدّ حتى إلى القضايا الجنائية (الأمير عبد القادر وبناء الأمة الجزائرية، ص 97).

– مجلس الشورى: اتخذ الأمير الجزائري في كل مقاطعة داراً للشورى لبحث الأمور الهامة في الدولة، وجعلَ انتخاب أعضاء هذه المجالس (مجالس الشورى) من قبل النّواب الذين كانوا يُدعون بالخلفاء، وربط هذه المجالس بالمجلس الأعلى للبلاد، المؤلَّف من أحد عشر عالماً، وبمجالس الاستئناف. كان مجلس الشورى الأعلى في الدولة الفتيَّة ينعقد والأمير في وسطه، وكان يتفحّص الطعون في قرارات القضاة، ويشكل هذا المجلس علماء أجلاء، كانوا يتمادون في التدقيق عندما تعارضهم مشاكل عويصة، إلى أن يطلبوا باسم الأمير رأي العلماء المعروفين بتعمقهم في علوم الشريعة، وفي الغالب كانوا يستشيرون علماء جامعة القرويين بفاس، كذلك كان يستشار علماء الأزهر في بعض الأحيان (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 45).

– الاقتصاد والمالية العامة: أنشأ الأمير نظاماً اقتصادياً تشرف عليه الدولة، الهدف منه جعل اقتصاد البلاد في خدمة الغايات القتالية بصورة خاصة، ومصلحة الفقراء والشعب بصورة عامة، فكان الجباة يخرجون مرتين في السنة لجباية الزكاة والأعشار بعد أن يُقْسِموا على القرآن الكريم بألا يظلموا أحداً وألا يعتدوا على أحد. واعتمد عملية نقدية خاصة كما قلنا، وبقيت عملة الأمير متداولة إلى أن أخذت السلطة الاحتلالية سنة (1849م) إجراءات خاصة لسحبها من التداول. وازدهرت التجارة في الأقاليم التابعة له (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 44).

– الثقافة: قبل الاحتلال الفرنسي كان التعليم ينشر عن طريق الزوايا، وكان كلٌّ من العلماء والفقهاء – ومثلهم الطلبة أو المدرسون – يجودون بعلومهم ومعارفهم كلٌّ منهم في القبيلة الخاصة به، وقد كان تعليم المواطنين من بين انشغالات الأمير منذ توليته، وهذا ليس بغريب من قبل زعيم يعترف بقيمة العلم والمعرفة والثقافة. وهكذا فقد كانت جهوده التوحيدية تتماشى بالتوازي مع إقامة نظام تربوي عام، وقد أقيمت في الأرياف – مثلها مثل المدن – المدارس، حيث لم يكن التلاميذ يدرسون القرآن فقط، وإنما القراءة والكتابة والحساب، وكان هذا التعليم مجانياً، مثلما كان التعليم ذا المستوى الأعلى الملقن في الزوايا والمساجد (الأمير عبد القادر الجزائري وبناء الدولة الجديدة، علي الصلابي، 26/08/2018).

– الصناعة: لم يكن بحث الأمير وتخزينه للمعادن الخالصة ضرورياً فقط لصنع عملته، بل كذلك من أجل تكوين صناعة قادرة على جعله مستقلاً عن الخارج، وقد جعل من مدنه قواعد صناعية بإنشاء مصانع ومخازن للبارود في معسكر: مليانة، المدية، وتاكدمت، ومعامل للسلاح في مليانة بفضل استخراج الحديد الخام من جبل زكار المطلّ على المدينة، كما أنّه قد أنشأ مسابك المدافع في تلمسان، ولم تكن هذه المراكز مخصصة لصنع الأسلحة فقط، كذلك كانت تَصنع الملابس للعسكريين والمدنيين على حدٍّ سواء (الأمير عبد القادر وبناء الأمة الجزائرية، ص 105).

– إنشاء المشافي: اجتهد الأمير عبد القادر في تطوير دولته وأحدث أموراً كثيرة، ومن أهمها إنشاء المشافي العامة والخاصة، فكان في كلّ مقاطعة عدةُ مستوصفات ومشافٍ خاصة بالمقاتلين، تصحبهم في كل موقعة ومعركة، وعيّن لكل مشفى أربعة أطباء أكفاء يرأسهم طبيب مشهور (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 46).

الأمير عبد القادر الجزائري… النموذج الجهادي والتنظيمي المُلهم للشعب الفلسطيني وأحرار العالم

نظراً لما اشتهر الأمير عبد القادر من صفات الشجاعة والذكاء والعِلم والحزم وفن الإدارة، وعمق الولاء للأمة الإسلامية، ومبادئ دينها الحنيف، وقيمها الرفيعة، ودفاعه عن أراضيها، وبعد أن استقام للأمير الحال، شرع في تنظيم أمور الدولة، وتشكيل الكوادر الحكومية، فعيّن الأكْفَاء من الرجال، واعتمد التشريعات المنبثقة من القرآن الكريم والسنة نظاماً لحكمه، وقاد مسيرة الجهاد لتحرير الوطن من الفرنسيين.

وكما ذكرنا سابقاً، شرع الأمير عبد القادر الجزائري بتأسيس وتدريب جيش الجزائر النظامي، وطوَّر إستراتيجيته العسكرية، واهتم بتطوير حرب العصابات، وأصبح يُتقنها إتقاناً كبيراً، وهو ما كان يُربك فرنسا وقواتها كثيراً، فأصبح الأمير من أنجح رواد هذا النوع من الحرب، وقد سبق الأمير عبد الكريم الخطابي، زعيم حرب الريف بالمغرب، والشيخ عمر المختار بليبيا، واستفاد منه كثيرون من أبطال الكفاح والتحرر الذين جاءوا من بعده.

كما اهتم الأمير الجزائري بتمكين الحكومة المركزية في الجزائر، ووضع معايير في تعيين موظفي الدولة ومناصبهم من ذوي الكفاءات والقدرات والملكات الإدارية والقيادية، وأعطى رعاية خاصة للمؤسسة القضائية والقوانين من أجل رفع الظلم، وإقامة العدل، وأسس الأمير مجلس شورى للدولة، كما اهتمت حكومة الأمير بجهاز المخابرات والأمن العام. فضلاً عن نشر الثقافة من خلال المدارس والمساجد والزوايا، والتشجيع على العلم والتعلّم.

بنى الأمير في دولته الناشئة اقتصاداً تجارياً وزراعياً وصناعياً قوياً، وقد ركزت دولة الأمير على الصناعة الحربية، واحتياجها نظراً لأهميتها في حركة الجهاد ضد المستعمر، واستجلبت من الخارج خبراء وأهل تخصص في ميادين الصناعة وعلم المعادن.

وبناء على هذا الإعداد والأخذ بأسباب التمكين، أجبرت قوات الأمير عبد القادر العدوَّ على عقد الهدن والمعاهدات، إذ توالت هجمات المجاهدين الجزائريين على الحاميات والمعسكرات الفرنسية في المدن الجزائرية الساحلية، واستفاد من فترات الهدنة في بناء مؤسسات الدولة الجزائرية، وتوسيع العلاقات الدولية، حتى اعترف به سلطان مراكش، وعمل الأمير على بسط نفوذه، وإقرار الأمن والسلام في المناطق الخاضعة لسلطانه.

وبسبب المقاومة الجزائرية الهائلة للعدو الفرنسي، اضطر المحتل لطلب هدنة عُرفت باسم معاهدة التافنة في مايو 1837م، تنازلت فيها فرنسا عما يقارب ثلثي الجزائر لإمارة الجزائر، وقد حاول المحتل الفرنسي نقض المعاهدة، ولكن حرص الأمير على إطالة أمد الهدنة، غير أن القتال اندلع من جديد، ووجه الأمير نداءه إلى الشعب، وأوامره إلى خلفائه، وبدأت مرحلة جديدة من الزحف على معسكرات العدو وتحصيناته، وتكبد الفرنسيون خسائر فادحة من جديد، وحينذاك لخص بسيسكا توري معاناة الفرنسيين على يد قوات الأمير عبد القادر الجزائري، فقال: “إن إفريقيا هي الخراب في السلم، والإنهاك في وقت الحرب”.

ولكن حين تسلم الجنرال الفرنسي بيجو قيادة العمليات العسكرية، كان له ردود أفعال عنيفة ووحشية لردع الأمير وجيشه والشعب الجزائري، فدمر الأرياف والقرى، وحرق المحاصيل، وقطع الأشجار المثمرة، وعاقب كل قبيلة أو ناحية ساهمت في دعم الأمير عبد القادر، وسلبها أراضيها، وكانت خطته مبنية على إبادة الشعب؛ فقتل من أبناء الشعب الجزائري الآلاف من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ.

واضطرت فرنسا للنفير العام، وواصلت بلا انقطاع تزويد الجنرالات الفرنسيين وجيوشهم في الجزائر بالإمدادات والمؤن والعتاد والرجال والسلاح والذخائر، وكانت إحدى هذه الدفعات وصلت في 22 فبراير 1841م، وكان عدد القوات 88000 جندي علاوة على ما هو موجود بالجزائر، وكان رد الأمير عبد القادر رسالة إلى الجنرال بيجو جاء فيها: اعلموا أنني بعونه تعالى وقوته لا أخشى كثرتكم ولا أعتبر قوتكم، لعلمي أنكم لا تضرونني بشيء، إلا أن يضرني الله به، ولا يلحقني منكم إلا ما قدره الله علي. وقد استمرت المعارك مع الجيوش الفرنسية، وكانت خطط الأمير عبد القادر شاملة ومتجددة، وهزم الجنرال بيجو في معارك أيالة ووهران ومتيجة على الرغم من كثرة جنوده وعتاده وامداداته. وكانت قوة الأمير عبد القادر تكمن في استحالة العثور عليه، إنها في المكان الرحب الواسع في حرارة شمس إفريقيا المحرقة في مكان ندرة المياه، إنها أيضاً في حياة الترحال التي خطَّها كأسلوب لمحاربة فرنسا.

واستمر الجهاد الجزائري بقيادة الأمير عبد القادر حتى استعانت فرنسا بحليفها سلطان المغرب لتقويض جهود الأمير، وإشغاله بحرب داخلية تُنهي قوته.

الأمير عبد القادر الجزائري بين التفاوض والأسر والانتقال للدولة العثمانية: نموذج مُلهم في الديبلوماسية، وتحمل الابتلاء، ومَثل أعلى في جهاد المستعمرين

تكررت انتصارات قوات الأمير عبد القادر الجزائري، وأذاقت قواتُه الفرنسيين الويلات في الكمائن وحرب العصابات، وأجبروهم على عقد عدّة هدنات. واستعانت فرنسا بحليفها سلطان المغرب، والذي كان يخشى من توسع قوة الأمير عبد القادر على نفوذه، وزاد اشتداد العداء بين السلطان عبد الرحمن سلطان المغرب، والأمير عبد القادر نتيجة تقاربه واتفاقه مع فرنسا التي جندته لصالح مشروعها في الجزائر، واستفادت من نفوذه للتأثير على القبائل الموالية للأمير عبد القادر، وفي أواخر عامة 1847م لم يعد الأمير يحارب جنرالات فرنسا وجنودها المدربين، بل شُيد بينه وبينهم سدٌّ من صدور المسلمين شيده السلطان عبد الرحمن، وفرض على الأمير واقعاً مرفوضاً من قبل المؤمنين، وفرضت على الأمير معارك مؤسفة شغلته عن هدفه في مقاومة المستعمرين، والذي جاهد مع المجاهدين الجزائريين ضدهم 18 عاماً (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 146).

ولم يطرق الأمير أبواب السلطان في أي تسوية خلال المعارك التي جرت بينهما، نظراً لالتزام الأخير بمعاهدة طنجة مع فرنسا عام 1844م، والتي نصت على موافقة السلطان على مقاومة الأمير والقضاء على دولته وتسليمه إلى القوات الفرنسية. ولذلك طرح الأمير عبد القادر فكرة وقف الحرب لأنه المطلوب من الأعداء شخصياً كحاكم لدولة وقائد للجهاد، وليس وقف المقاومة لأنها بيد الشعب وليست بيده. وحمل مبعوث الأمير للقائد الفرنسي في معسكره، وكان في الكتاب السفر إلى مصر أو الشام مقابل أن لا تتعرض فرنسا للسكان أو المجاهدين بالشر وإعطائهم الأمان على أموالهم ودينهم وأنفسهم. وفي طريقه إليهم أوقف الموكب وصلى ركعتين على أرواح الشهداء ، وكان يرافقه بعض أهله وأعوانه المقربين، واستقبله الدوق الفرنسي بحفاوة واحترام وبروتوكول رسمي، وركب الأمير في 24/12/1847م، واتجهت الباخرة إلى ميناء طولون، ولسان حال الشعب ينشد باكياً:

تبكي السماء بمزنٍ رائح غادي … على الأبطال من أبناء بلادي.

انتشر خبر رحيل الأمير عبد القادر في البلاد كالنار في الهشيم، وكان الحدث كالصاعقة على رؤوس السكان، وعم بكاء النساء وعمد الرجال إلى التجمعات الصامتة، وهو ما ألقى الرعب في نفوس الفرنسيين (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 157).

في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1848م، رست البارجة التي تحمل الأمير عبد القادر في مرفأ طولون في حالة انتظار لبعض الوقت حتى تصل توجيهات من الدولة العثمانية، ولكن قبل أن تصل هذه التعليمات دخل على الأمير الكولونيل دوماس وأدى له التحية العسكرية بكل احترام، ثم أخبره بأن المفاوضات مع العثمانيين لم تنته، فشعر أن هناك نية غدر مبيتة، وأخبره الجنرال بعد ذلك بأن الملك طلب نقله إلى داخل فرنسا، وقال له على لسان الملك: إن فرنسا مستعدة لأن تمنحك أراضٍ شاسعة وقصوراً تعيشون فيها مكرمين، ويستطيع أفراد حاشيتك امتلاك مزارع يعملون فيها طيلة حياتهم إلى جانبك، فردّ الأمير قائلاً: “لو ملكتني فرنسا كلها فلن أقبلها عن وطن عربي إسلامي أعيش فيه، ولو وضعتم كلها في برنسي هذا وفرشتموها بالديباج لنفضته إلى الأمواج التي تضرب جدران هذه البارجة الحربية (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 158).

نُقل الأمير إلى حصن طولون وسط حراسة مشددة، وكان الهدف هو تحطيم رمزيته في نفوس الشعب الجزائري فرئيس الحكومة فيزو الذي عيّن الجنرال الأشد عناداً في حرب الأمير، قال في مذكراته: أنه لا يمكن تحطيم رجل عظيم على رأس أمته طالما أنه لم يقتل أو يؤسر. وتم عزل الأمير عن مرافقيه، ونُقل إلى قلعة أمبواز التابعة لمقاطعة أورليان القريبة من إسبانيا. وحين وصل القلعة قال له الجنرال المرافق: احمد ربك على وصولك بالسلامة إلى هذا المكان، إذ كنت طوال الطريق في أشد الحذر من أن يهاجمك أحد ويغتالك لأنه لا يوجد في فرنسا كلها أحد ليس له عندك ثأر” (الأمير عبد القادر وبناء الأمة الجزائرية، ص 188).

استسلم الأمير عبد القادر لقدر الله وقضائه، ولكنه ندم على الوثوق بالعهود الفرنسية، وقال: لو كنت أعلم أن الحال سيؤدي إلى ما إليه آل، لم أكن لأترك القتال حتى ينقضي منا الأجل (حوار مع الامير عبد القادر، ص 137). وبعد وساطات من الأمير الفرنسي لامور والأسقف دوبيش والدوق دومال مع السلطات العليا، سمحوا للناس بزيارته وجمعوه مع عائلته. وهم يدركون بأن عزة نفسه وقوة إيمانه وصدقه وصبره كفيلة بضمان ذلك.

وقد تأثر الرأي العام الفرنسي والعالمي وخاصة في بريطانيا، وقد اهتز لحال الأمير اللورد البريطاني لندندري، وكتب رسالة شديدة اللهجة إلى لويس نابليون رئيس الجمهورية الفرنسية المنتخب، وألحّ عليه لإطلاق سراحه لينقذ شرف بلده التي خانت عهدها، وهدد بكشف المعاهدة بين الأمير وفرنسا في عام 1847م. وكما كتب مطران باريس ديبيش من أعلى منبر في نوتردام حاكم بلاده بالقول: إنكم ستقتلون هذا الرجل دون أي مراعاة لوعد فرنسا (الأمير عبد القادر وبناء الأمة الجزائرية، ص 190).

ولم يقبل الأمير عبد القادر رغم العديد من العروض المغرية البقاء في فرنسا، وهو الذي اعتاد الحياة الحرة العزيزة، وتعلقه بشعبه ووطنه، وهو ما جعله يبقى في أعين الجزائريين والعالم أجمع كرجل وهب نفسه للقيم والمبادئ الإنسانية الرفيعة، ومن أهمها حريته وحرية الجزائر من المحتلّين.

تحت تأثير الوساطة الداخلية والخارجية سُمح للوفود بزيارة الأمير عبد القادر كما ذكرنا، وتسلم رسائل من قادة التحرير في العالم، ومن بينها رسالة وصلته من الشيخ شامل أحد زعماء داغستان التي وقعت تحت سيطرة روسيا القيصرية، وهو من شيوخ الجهاد والدعوة هناك، وكان الأمير يستقبل الوفود بالترحاب، ويقضي ساعات طويلة مع العلماء والسياسيّين، وكان يجيب عن أسئلة في الفقه والقرآن والتفسير، وكان يعقد الندوات الأسبوعية للرجال والنساء، فيقرأ ملخصاً عن كتاب “الصغرى” للإمام السنوسي في معنى الفقه وعلم الكلام، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني في الفقه وغيرها… وهذا القائد الفذّ الذي زلزل أركان الجيش الفرنسي، كان يقف أمام اللوح الخشبي مدرساً في سجنه لأطفال أهله ورعيته، صابراً محتسباً وغير مبال بمكائد المحتلّ.

ظلَّ الأمير عبد القادر خمس سنوات في سجنه حتى مطلع عام 1853م، أي حين تغير نظام الحكم في فرنسا إثْر الاضطرابات الداخلية، وأصبح لويس فيليب إمبراطوراً باسم نابليون الثالث، وكتب للأمير: “إن سجنك يعذبني، ويقضُّ مضجعي، وأشعر بالعار لعدم تنفيذ الاتفاق”، وأخبره بأنه يريد زيارته في أول فرصة ممكنة.

في 26/ 10/1852م توجه الإمبراطور نايليون الثالث إلى مدينة أمبواز برفقة ضبَّاطه، وحين قابله قال له: أكرر أسفي على السنين التي قضيتموها مرغمين في سجنكم هذا، والآن يشرفني التعرف على عدو شريف وضيف كريم أقدّر دفاعه عن وطنه ورفضه قتال أبناء دينه، ثم قدّم له سيفاً منقوشاً عليه اسم نابليون الثالث، وتاريخ المقابلة مرفقاً بكتاب يقول فيه: هذا إقرار بالوفاء بشروطكم ومساعدتكم من حكومتي على السفر ومن معك إلى تركيا حسب رغبة السلطان غازي خليفة المسلمين” (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 164).

عام 1853م غادر الأمير عبد القادر إلى مرسيليا، وحين وصلوا إلى مشارف مدينة ليون شوهد مئات الجنود بلباسهم الرسمي يمثلون فرقاً من الجيش، وأطلقت إحدى وعشرين طلقة تحية للمغادرين وجرى احتفال رسمي، وأطلقت المدفعية نيرانها قبل صعودهم إلى متن البارجة الحربية التي أبحرت إلى صقلية. وبعد صقلية تابعت الباخرة تمخر عباب البحر ورست في ميناء الأستانة “إسطنبول” يوم الجمعة في ديسمبر 1853م، وكان أول عمل قام به الأمير هو زيارة ضريح الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهو المجاهد الذي دفن أثناء حصار القسطنطينية زمن معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنهما)، وكان ملهِماً بسيرته لكثير من المجاهدين من أبناء الأمة، كما زار جامع آيا صوفيا، واستراح أياماً في قصر حكومي خصص له قبل لقاء السلطان عبد المجيد الذي رحب به بحرارة بالغة وأثنى على جهاده العظيم ضدَّ المستعمرين، وعرض عليه عدداً من المدن ليختار الإقامة فيها، فاختار بورصة التي استقبله فيها خليل باشا – صهر السلطان – بكل حفاوة وتقدير.

وكثرت الزلازال في مدينة بورصه وضواحيها وشكلت أذى للسكان والمهاجرين، مما اضطر السلطان إلى السماح للأمير بالإقامة في دمشق الشام، وصدرت الأوامر إلى واليها محمود نديم بالاستعداد لاستقباله. ومن وصوله ميناء بيروت كان أهل الشام باستقباله، ووصل دمشق في عام 1855م، وهناك لاقى استقبالاً رسمياً دمشقياً أُعد على مشارف المدينة، وسار الموكب تتقدمه فرق من الخيالة والمشاة بملابسهم الرسمية وأوسمتهم، ودخل موكب الأمير دمشق بزغاريد النساء، وكان الأطفال بملابس العيد يصفقون فرحين، وكأن كل واحد منهم يستقبل أباه الذي عاد للتو من الأسر ليحمل مستقبل أيامه البريئة، وأخذوا يهتفون لراعي العروبة والإسلام البطل الذي حارب أكبر جيوش العالم الاستعمارية، وكان لذلك الاستقبال عظيم الأثر في نفس الأمير، فهو رأى دمشق عن بكرة أبيها نساء ورجالاً وأطفالاً وشيوخاً وقد لبسوا ملابس الأعياد يخرجون لاستقباله والاحتفاء بوصوله سالماً (الأمير عبد القادر حياته وفكره، ص 194 – 197).

6. الأمير عبد القادر: إخماد فتنة الشام الطائفية، ورفضه العروض والإغراءات الغربية لتنصيبه ملكاً في ظل التوغل الغربي في الديار الإسلامية

كان الأمير عبد القادر يحترم الدولة العثمانية من منطلق إسلامي بحت، وكذلك كان أبناؤه على علاقة ودية بالسلطان، ووصل أربعة منهم إلى لقب “باشا”، وشغلوا مراكز مرموقة في عهده، وكان الولاة يحترمون الامير، ويعترفون له بصلاحيات واسعة في إدارة شؤون البلاد الشامية، وخاصة ما يتعلق بالمهاجرين، وكان يرى أن تصحيح الواقع والأخطاء في الحكم يتم بفضل رأي من هم أكثر حكمة بين العلماء والمفكرين المسلمين، والأكثر قدرة على اقتراح الحلول المستنبطة من تجارب الماضي من جهة، والمعتمدة على نظرة مستقبلية ثاقبة من جهة أخرى.

ولاحظ الأمير خلال إقامته في الشام، بأن الضغوط تتزايد على الامبراطورية العثمانية، وأن التغلغل الأجنبي عبر القناصل والعملاء التجاريين في البلاد الشامية خاصة أصبح مزعجاً لأصحاب الحرف والصناعات المحلية، كما لاحظ أن البعثات الدبلوماسية الغربية تتدخل بشكل غير معلن في هذه المجالات، وأن المنتجات والسلع الأجنبية تغزو الأسواق، وتنافس البضائع المحلية بتشجيع من بعض الولاة، وبغض الطرف من جانب آخرين.

وكان يبصر الوجهاء والأعيان بعواقب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وبأخطار الصدام المسلح بين الطوائف، وكان يدعوهم إلى عدم الوثوق بوعود الدول الأجنبية لأنه لا عهد لهذه الدول ولا ذمة ولا وفاء. ونصح الجميع بالتمسك بالبعد الحضاري لهذه الأمة، وبعدم التمادي في زرع الدمار والخراب والأحقاد، وكل ما يدوي ويستفحل ويحترق، ويصبح رماداً مما يجعل البلاد لقمة سائغة في فم الاستعمار، وكان يتكلم وكأنه يقرأ هذا المخطط في كتاب أسود بين يديه، وهو مخطط يستهدف ضرب السلطنة العثمانية وتفتيتها وبتر جذورها الإسلامية (الأمير عبد القادر حياته وفكره، ص 200).

وكان الأمير عبد القادر مهتماً بدعم الدولة العثمانية والتواصل مع خلفائها وسلاطينها، ففي شهر جوان 1865 عزم على السفر إلى الأستانة (إسطنبول) لزيارة السلطان عبد العزيز، فاستقبله وأكرمه، فطلب منه أن يصفح عن المنفيين إلى جزيرتي قبرص ورودوس اليونانية الذين تورطوا في أحداث 1860م في الشام، وصدر قرار الباب العالي بالعفو عنهم (حوار مع الأمير عبد القادر، ص 158).

وقد نشب الصراع بين الموارنة الكاثوليك والدروز في جبل لبنان عام 1860م، وهو ما أدى إلى فتنة طائفية في الشام أنذرت بانفجار اجتماعي خطير، واعتدى بعض الموارنة على الدروز، وهاجم الدروز البيوت والكنائس المسيحية في طرابلس وصيدا وزحلة واللاذقية ودمشق وغيرها، وسفكوا الدماء ونهبوا الأموال ومالوا عليهم كل الميل، وعندما عجز الأعيان والوجهاء الشاميين عن حل الأزمة، لم يقف الأمير عبد القادر مكتوف الأيدي، وخاصة بعد أن امتدت الفتنة إلى أحياء دمشق، فجمع كل قادر على حمل السلاح من الجزائريين والشاميين وعلماء المسلمين وأبناء دمشق، واشترى بعض الأسلحة لإخماد تلك الفتنة، وأصدر أوامره لحراسة أبنية السفارات الأجنبية في دمشق، ونقل البعثات والدبلوماسيين إلى دور الأمير في حي العمارة، ونقل الأمهات والأطفال إلى الأديرة، وكان الأمير يتجول بين الأحياء غير مبالٍ برصاص القناصة والطلقات الطائشة وهو على ظهر حصانه يصدر الأوامر حتى بلغ عدد الذين نقلوا إلى دوره في حي العمارة خمسة عشر ألفاً بين رجل وامرأة، فكان وقوف الأمير بجانب النصارى وحمايتهم لمنع أي تدخل فرنسي أو غربي بعد أن وصلت حملة فرنسية إلى الساحل الشامي. وعند وصول الحملة أرسل من يخبر الجنرال بوفور قائد الحملة الفرنسية بوجوب الاجتماع به، وعين المكان وكان مشهداً للقاء جزائري فرنسي على مستوى عالٍ، وطلب الأمير من الجنرال أن يبلغ حكومته بأن دخول قواتها إلى دمشق أو قيامها بأي تحركات عدائية يلغي كل تعهد من قبل الأمير للإمبراطور فيليب بعدم العودة إلى الجزائر، وأن الأمير سيكون أول المقاومين لأي حملة عسكرية تهاجم البلاد، وكان على الجنرال أن يخبر حكومته التي أعادت حساباتها بعد تلك التهديدات. فكان له دور بارز في إيقاف ذلك المخطط الاستعماري الخطير الذي يستهدف احتلال الشام وتمزيق الأمة الإسلامية (الأمير عبد القادر حياته وفكره، ص 205 – 207).

بعد أن ساهم الأمير عبد القادر بإخماد الفتنة الطائفية التي سعت فرنسا لإشعالها في الشام عام 1869م، وأصبح محط أنظار العالم، تأمل دعاة استقلال العرب عن الدولة العثمانية التي دخلت بمراحل ضعف وهزائم متكررة، فعقدوا المؤتمرات السرية في دمشق عام 1877م، واقترحوا فصل البلاد عن الدولة العثمانية، وتنصيب الأمير عبد القادر ملكاً عليها، لأنهم وجدوا فيه أملهم الوحيد لما يتمتع به من هيبة واحترام عند العثمانيين والعرب على حد سواء، وهو الذي سبق له أن أنشأ دولة وقاد الجهاد ضد الاستعمار، وهو – بالإضافة إلى ذلك – العالم ذو المقام العالي، والمجاهد ذو النسب الشريف.

عارض الأمير عبد القادر الجزائري تمزيق البلاد الإسلامية، رغم انتقاداته المتكررة لإدارة الولاة العثمانيين والباب العالي، حيث توالت عليه العروض من فرنسا وبريطانيا، فكان المشروع الفرنسي يرمي إلى إنشاء إمبراطورية عربية تمتد من شمالي بلاد الشام حتى قطاع عكا يرأسها الأمير عبد القادر، ولكن رفضه الأمير بشدة عام 1860م؛ لأنه مطلب فرنسي استعماري.

وقد رفض عرضاً بريطانياً مُغرياً بتنصبيه ملكاً على العرب، حيث ذكر رئيس وزراء إنكلترا الأسبق ويليام كلادستون الذي حكم بين 1868-1874، بأنه حاول بكلّ ما يملك أن يقنع الأمير عبد القادر الجزائري بمنصب إمبراطور العرب لكي يوظفه، ويستغله ضد العثمانيين، إلا أنه لم يفلح بالرغم من كل الوعود والمزايا التي وضعها فوق الطاولة للأمير بما فيها خروج المحتل الفرنسي من الجزائر. وقد علق كلادستون على هذا قائلاً: “حتى دخلني اليأس أن العرب لا يمكن توظيفهم واستغلالهم واستعمالهم…”.

وكان آخر عبارات رد بها الأمير عبد القادر: “الجزائر ستتحرر، وتنال استقلالها من دون معروف وبركة طرف أجنبي، ولن تَجد جزائري بعدي ولا قبلي سيقبل أن يكون خادماً عندكم أو وكيلاً لمخططاتكم، وسيكون استقلال الجزائر العائق الذي لا تطيقونه لعقود من الزمن ومن أرضنا ستتعثّر مشاريعكم. فلست بحاجة لأن أكون ملكاً أو إمبراطوراً أو سلطاناً، فما يهمني بالدرجة الأولى هو أن أواجه المحتل الفرنسي وتغلغلكم في البلاد الإسلامية، وفي نفس الوقت الخلافة الفاسدة التي تستعمل الدين لتحقيق أطماعهم الشخصية الفاسدة”.

برهن الأمير عبدالقادر برفضه تلك المغريات السياسية على ثبات موقفه المعادي للاستعمار، والمقاوم لكلّ مخططاته الخبيثة، وهو وإن كان لديه بعض الانتقادات لإدارة الأتراك العثمانيين، إلا أنها يجب أن توجه للسلطان من باب النصح لله ولرسوله، ويجب أن تكون مبنية على المصلحة العامة للمسلمين، فيجب أن يحلَّ المسلمون مشاكلهم بأنفسهم كما يتولى أفراد البيت الواحد أمور أزماتهم ومشاكلهم (انظر: الأمير عبد القادر.. التمسك بالرابطة العثمانية ورفضه الإغراءات لتنصيبه ملكاً، علي الصلابي، 13/02/2020).

7. منهج الأمير عبد القادر الجزائري الفكري، ورد الشبهات حول سيرته

تعرَّض الأمير عبد القادر خلال مسيرته لحملات تشويه منظمة، واختلقوا له الأكاذيب، وزعموا أنه سلّم نفسه لفرنسا، ونسبوا إليه رسائل ومعاهدات سخيفة ومخزية وزعموا أنها بخطه، ثم اختلقوا قصّة انتسابه للجمعية الماسونية، وزوّروا عليه رسائل بهذا الخصوص، وكل ذلك كي يسقط اعتباره من أعين الناس كرجل مخلص لأمته، وحتى لا يكون قدوة للأجيال المتعاقبة في نضاله وكفاحه وجهاده وروحه الثائرة ضد الظلم والجور، ولكن الله أبى إلا أن يخرج الحق إلى الناس بفضله ومنِّه ثم بجهود الباحثين المخلصين (فارس الجزائر الأمير عبد القادر، مصطفى طلاس، ص 321).

أجمعت مصادر تاريخية كثيرة على أنَّ الأمير عبد القادر عُرف بين الناس بنزعته الإسلامية العميقة، واهتمامه بالقرآن والسُّنة، والتصوف السنّي الرشيد على نهج الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي أثنى عليه علماء السلف من أمثال ابن تيمية وابن القيم وغيرهم كثير. وقد درَّس الأمير عبد القادر صحيح البخاري في الجامع الأموي في دمشق، وموطأ الإمام مالك، ورسالة أبي زيد القيرواني، وتصدى بمنهجه الإيماني السُّني النقي لموجات الزيف والبهتان والافتراء بحقّه (حوار مع الأمير عبد القادر، ص 145).

كان الأمير خلال إقامته في دمشق متفرغاً للصلاة والذكر والتأمل، والعلم، والتدريس في الجامع الأموي، أو في دار الحديث النووي، وكان دؤوباً على عمل الخير والصلاح، مواظباً على المطالعة والتأمل، وزار بيت المقدس والخليل، ووقف عند مزاراتها التاريخية، وبعد فترة سافر إلى حمص وتوقف عند ضريح الصحابي الجليل خالد بن الوليد، ثم قدم حماة، ومنها انتقل إلى دير سمعان لزيارة قبر الخليفة عمر بن عبد العزيز، وكان يُلقي دروساً في القرآن والفقه والحديث، فضلاً عن علوم شتى في الجامع الأموي والمدرسة الجقمقية ودار الحديث الأشرفية وفي داره. ومن مؤلفاته: رسالة بعنوان: «حسام الدين لقطع شبه المرتدين»، كتبها في بداية عهده بالإمارة أي عام (1833م)، وذلك بالرد القاطع من القرآن والسنة النبوية على بعض أشباه الشيوخ، الذين استمالهم واستأجرهم الاحتلال، ليروجوا بين الناس جواز النزول تحت حكم الفرنسيين. وكتاب: «وشاح الكتائب وزي الجندي المحمدي الغالب»، والذي ألفه بعد معاهدة التافنة عام 1837م، وهو كتاب يشتمل على الأحكام والأزياء والقوانين الخاصة بالجيش المجاهد الفتي، خطه بيده المجاهد قدور بن رويلة تحت إشراف الأمير وأضاف إليه بعض الملاحظات. فضلاً عن مجموعة من المراسلات الفقهية بينه وبين علماء عصره، وأجوبة كثيرة عن أسئلة لحل مشكلها وفتح ما استغلق منها، وكذلك مجموعة من المراسلات بينه وبين بعض الشخصيات المدنية والعسكرية، وأجوبة كثيرة عن أسئلتهم واهتماماتهم في ميادين شتى (حوار مع الأمير عبد القادر، ص 173؛ وانظر: كيف عاش الأمير عبد القادر الجزائري حياته في دمشق، د. علي الصلابي، 30/08/2018).

8. وفاة الأمير عبد القادر الجزائري

كانت الأيام الأخيرة من حياة الأمير عبد القادر في الشام، يغلب عليها الهدوء والبساطة والنظام الدقيق، وكان يستعد للقاء الله عز وجل، وينتظر الأجل، ومنذ حجه عام 1862م، أصبحت حياته تميل إلى الزهد والعلم والعبادة والتعلم ومساعدة الناس، وتلاوة القرآن والأذكار، والتفكر في فقه القدوم على الله. واستفاد من ذهابه الأخير للأراضي المقدسة، وحج مرتين وبقي في مكة والمدينة، واستقبله شريف مكة، وأمر بتخصيص غرفتين له في الحرم، واستفاد من العلماء والعُبّاد، واجتهد في طلب العلم والعبادة. وبقي في مكة اثني عشر شهراً متتالية، وصرف كامل وقته للدراسة والصلاة والتأمل وملاقاة العلماء وطلاب الآخرة، ومن ثم ذلك إلى المدينة وبقي فيها أربعة أشهر على مقربة من المسجد النبوي ثم عاد إلى مكة للحج من جديد، وكانت تلك الرحلة زاداً روحياً لبقية حياته، حافظ على ذلك حتى أيامه الأخيرة (فارس الجزائر الأمير عبد القادر، ص 327 – 328).

ومع تقدم العُمر، واعتلال صحته، كثرت الشائعات عن وفاته، وفي أحدها رثاه الشاعر محمد الأدهمي الطرابلسي عام 1880م، وكتب له الأمير يشكره ويشكر الجرائد التي نشرت الخبر. وآنذاك زاره الأديب التونسي محمد السنوسي، فأكرمه وأحسن ضيافته.

وقد كان الأمير في بداية شهر مايو 1883م معتكفاً بمصيف «دُمَّر» في داره، يتهجد ويتبتل لله تعالى، فاشتد عليه مرض المثانة، وحصر البول، فزاده الضعف والهرم، وفي منتصف ليلة السبت في 26 ماي 1883م دعاه مولاه، وقبضت روحه (رحمه الله)، وغسله نزيله وضيفه الشيخ عبد الرحمن عليش الأزهري، وفي الصباح نقل في عربة من قصره في دمَّر إلى داره في الشام، وصلِّي عليه في المسجد الأموي في مشهد قلَّ نظيره، وخرج أهالي دمشق لتشييعه في جمع غفير. وانهالت الدموع، وخطت قصائد الرثاء بمداد مضيء، وكتبت مقالات ورسائل علمية، كتبت لتكون شاهداً على مكانته النضالية والإيمانية والإنسانية العظيمة، وتكريماً لهذا البطل – المـُـلهم من الله تعالى – على لسان الناس جميعاً (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 180). ودفن في حي الصالحية في مدينة دمشق. (الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 180). قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}[النحل: 41].

وكتب الشيخ العلامة طاهر الجزائري (رحمه الله) قصيدة في رثائه، قال فيها:

خطب تبدلت الدموع به دماً … وجرى كغيث هاطل مدرار

وغدت به الأكباد وهي كليمة … حرّاء حامية كجذوة نار.

ورثاه الأديب اللبناني حسن بيهم بقوله:

مصاب به العلياء تبكي أميرها … وكل أمر من ذا المصاب به شطر

به جاء ناعي البرق يرعد قلبنا … فأمطرة الآماق ما ضمه الصدر

قضى العمر شغلاً لم يذق طعم راحة … وما شغله إلا الجهاد والذكر

وإن شق قلب الحرب يوم كريهة .. يرى الموت طوعاً أو يرافقه النصر

لئن متّ يا مولاي والموت سنّة … ففضلك باقٍ في الأنام له الذِكر (فكر الأمير عبد القادر، ص 232).

بعد أن أخذت جحافل المستعمر الفرنسي تغادر الجزائر بعد 130 عاماً من الاحتلال، وعادت الجزائر حرّة مستقلة بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل تضامن أبنائها ووحدتهم الوطنية والدينية؛ لم ينس أبطال الجزائر وثوارها وحكومتها رفات الأمير عبد القادر، فقد كانت سيرته الجهادية وأخلاقه الربانية ملهمة لهم، وأصروا على نقل رفاته من دمشق إلى الجزائر، بعد أن تواصلوا مع الدولة السورية وتم الاتفاق على ذلك. في عام 1966م، وفي احتفال شعبي ورسمي كبير نقل رفات الأمير عبد القادر – وهو في الواقع ليس رفاتاً، وإنما تراثٌ وتاريخ نضالي وكفاح شعبي وجهاد طويل – من دمشق إلى الجزائر، ليوارى في التراب الذي روته دماء جروحه وتضحيات إخوانه وأبناء جيله في ملحمة نادرة في تاريخنا المعاصر. فقد سار الموكب في شوارع دمشق وراء النعش الملفوف بالعلم الجزائري على عربة مدفع تتقدمها فرقة موسيقى الجيش، وفرق رمزية من الجيش السوري تمثل جميع أسلحته إلى المطار. وعندما هبطت الطائرة التي تُقلّه في مطار مدينة الجزائر كان الملايين من الشعب بانتظارها، وعندما أُنزل الطائرة وقف رئيس الجمهورية وكافة الوزراء وأعضاء جبهة التحرير، وما إن طلب جثمان الأمير حتى امتدت أيادي رئيس الجمهورية والوزراء لحمله، وتعالت أصوات الآلاف من الجزائريين “الله أكبر” تشق عنان السماء، وكانت ترافق الهتافات زغاريد النساء، مع دموع الفرح التي كانت تسيل مدراراً (الأمير عبد القادر وسيرته المجيدة، ص 176). ولا يزال اسم الأمير عبد القادر الجزائري خالداً في ذاكرة كلّ جزائريّ، ونموذجاً مُلهماً لأبطال التحرير والنضال الشعبي في شتى أنحاء العالم.

9. خلاصات مُلهمة من سيرة الأمير عبد القادر الجزائري للمناضلين والأحرار في فلسطين والعالم

– جاء الأمير عبد القادر بتجربة فريدة في الجهاد والإدارة، وتمكن بمنهجه الإيماني، وحزمه وصبره وحسن اختياره لقادته واعتماد نظام الشورى في اتخاذ القرارات، وتمكين مؤسسات دولته، وحنكته في التعامل مع المحتل الفرنسي، من الانتصار مراراً، والصمود وبناء نموذج حكم إسلامي متميز لا تزال آثاره في الجزائر.

– بعد مبايعة الأمير عبد القادر الجزائري شعبياً، حمل مسؤولية الحكم، وامتد سلطانه إثر معارك دامية حتى شمل ثلاثة أرباع القطر الجزائري، واعتمد التشريعات الفقهية المنبثقة من القرآن الكريم والسُّنة أساساً لحكمه، واهتم بنشر القيم الإسلامية الرفيعة، وقاد الجهاد لتحرير الجزائر من المُحتلين.

– عمل الأمير الجزائري على بناء مؤسسات الدولة، من حكومة مركزية، وتقسيم البلاد إلى ثمان ولايات، ووضع معايير لتعيين موظفي الدولة ومناصبهم، وبنى جيشاً مدرباً ومسلحاً، واهتم بالسلطة القضائية، وأقام مجلس شورى، وأنشأ نظاماً اقتصادياً ومالياً عاماً، ودعم حركة التجارة، ونشط الدبلوماسية، وأسس جهاز مخابرات، وعمل على تشجيع الصناعة، وأنشأ المشافي والمرافق الخدمية العامة.

– اعترف خصوم الأمير عبد القادر، وعلى رأسهم الجنرالات الفرنسيين، بعبقرية الأمير الفذة، وأظهروا إعجابهم بالأمير مثل الماريشال بيجو، ولاموريسيير وشاغارنيه. حيث قال الجنرال بيجو عنه: خصم صنديد نخشى بطشه.

– رفض الأمير عبد القادر الجزائري كل الإغراءات والمزايا التي عُرضت عليه سواء في مرحلة كفاحه وجهاد مع قيادة الجزائر، أو في فترة أسره في فرنسا للبقاء في قصورها، أو في العروض التي قدمها له الفرنسيون والإنجليز والقوميون العرب ليكون ملكاً. فهو فضَّل قضاء حياته بين الجهاد وتحصيل العلم، والإصلاح في الأمة، ومناهضة المستمعرين، وقال رداً على أحد عروض فرنسا في مرحلة الأسر فيها: لو ملكتموني فرنسا كلها، فلن أقبلها عن وطن عربي إسلامي أعيش فيه بديلاً..”.

– هيأ الله تعالى للأمير عبد القادر الجزائري الفرصة ليكون قائداً فذاً تحلى بالصفات والفضائل التي جعلته قدوة حسنة على مر العصور، فهو الرجل الذي احترمه أعداؤه قبل أصدقائه وأتباعه وأبناء أمته، ورافقته المواكب والزغاريد والورود أينما حل وارتحل، سواء في ساحات التحرير بالجزائر أو في قلاع وحصون وسجون المستعمر في فرنسا أو في الدولة العثمانية حين وصل إسطنبول وبورصة وبيروت ودمشق، وبعد وفاته في دمشق وعند وصول رفاته إلى الجزائر. نعم إنه نموذج للقائد المهاب والرجل الذي دوخ المستعرين وهز أركان أقوى الجيوش خلال كفاحه لعقدين كاملين، وقاد مواكب الأحرار قولاً وفعلاً في مراحل لاحقة.

– إن الله تعالى أعلى ذِكر الأمير عبد القادر الجزائري في تاريخ الإنسانية، وأصبح رمزاً من رموز النضال والتحرير والجهاد يمكن الاقتداء به من شعب فلسطين والأحرار في هذا العالم، أيّ كل الذين يناضلون ويجاهدون دفاعاً عن أرضهم ومعتقداتهم ومقدساتهم وأعراضهم، ولتنال بلدانهم الحرية والكرامة والاستقلال.

……………………………..

مراجع ومصادر:

المرجع الأساسي الذي اعتمد المقال عليه في مادته: كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، علي محمد الصلابي، ج1، دار ابن كثير، ط1 2015م، ويمكنكم تحميل موسوعة كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي من موقع د.علي محمَّد الصَّلابي:

الجزء الأول : سيرة الأمير عبد القادر

http://www.alsalabi.com/salabibooksOnePage/21

الجزء الثاني: سيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس

http://www.alsalabi.com/salabibooksOnePage/22

الجزء الثالث: من الحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال وسيرة الإمام محمد البشير الإبراهيمي

http://www.alsalabi.com/salabibooksOnePage/23

المراجع الإضافية:

الأمير عبد القادر الجزائري وبناء الدولة الجديدة، علي محمد الصلابي، مدونات الجزيرة، 26/08/2018.

الأمير عبد القادر حياته وفكره، ص 205، 207 ، 208 ، 150.

الأمير عبد القادر سيرته المجيدة، ص 180.

الأمير عبد القادر وبناء الأمة الجزائرية، ص 86-87.

الأمير عبد القادر.. التمسك بالرابطة العثمانية ورفضه الإغراءات لتنصيبه ملكاً، علي محمد الصلابي، مدونات الجزيرة، 13/02/2020.

فكر الأمير عبد القادر، بديعة الحسني، دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر، ص 48.

حوار مع الأمير عبد القادر، منصور بن عوف عبد الكريم، ص 151.

عبد القادر الجزائري… كيف شوهت الاستخبارات رموز النضال الشعبي؟، علي محمد الصلابي، مدونات الجزيرة، 04/02/2018.

فارس الجزائر الأمير عبد القادر الجزائري، مصطفى طلاس، ص 139.

10. كيف عاش الأمير عبد القادر الجزائري حياته في دمشق، د. علي محمد الصلابي، مدونات الجزيرة، 30/08/2018.


تقييم:

0

0
مشاركة:


التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة