فضاءات بشار

بشار

فضاء الثقافة والمواضيع العامة

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1012.04
إعلانات


أ. يحيى الأطرش /...بيــن علمـــاء الطــــب وعلمــــاء الـــديـــن (إدارة أزمـــة كـــورونا أنمــــوذجا)

بيــن علمـــاء الطــــب وعلمــــاء الـــديـــن (إدارة أزمـــة كـــورونا أنمــــوذجا)

المحرر الخميس 21 رمضان 1441? 14-5-2020م

أ. يحيى الأطرش /

بداية أعترف أن هذه القراءة السطحية أو المقاربة ربما ليست عادلة، وقد أثير بها غضب بعض أصدقائي الأطباء، لكن لا ضير إن تحملتم شيئا من توهماتي وهذياني؛ سيما في هذا الظرف الذي نمرّ به، لأمرر رسالة لم يطق صدري كبتها وعدم البوح بها، وأنتم من علمتمونا أن الكبت مضر بالصحة النفسية والجسدية. وحق النقد مكفول للجميع.
خلال الأزمة الصحية التي نمر بها -نحن المجتمعات المتديّنة- طُلب منا وقبِلْنا أن نلتزم ونسمع من مصدر واحد ووحيد ليسيّرنا فنخرج من الأزمة بسلام، فامتثلنا وقلنا سمعا وطاعة، لأننا قوم مطيعون بالفطرة لكل ساعٍ فيما فيه صلاحنا الدنيوي والأخروي. باختصار لأن القابلية للطاعة مركوزة في نفوسنا، هكذا شأن غالبيتنا ولا مناص من بعض التمرد والعصيان هنا وهناك فتلك طبيعة البشر.
وإذ حوّلنا الأنظار من مركز قياداتنا الدينية والاجتماعية إلى القيادات الطبية الصحية -كما قد فعلنا من قبل مع فقهاء السياسة حين ألمت بنا الأزمة السياسية- هنا صار من حقنا أن نعقد مقارنات في المحتوى المطروح والمنهج المتبع وطبيعة التسيير، بين مختلف القيادات التي جرّبنا معها خُلُق الانقياد وخَبَرنا معها معنى الطاعة. ولا يختلف اثنان أن ميزة المقارنة هي ميزة طريفة حبى الله بها الكائنات العاقلة، تقوم بها حين الجدّ وحين التندّر، لكن نتيجتها واحدة وهي الارتقاء بالوعي وزيادة منسوب التعقّل، فسبحان الله.
مما لاحظته ولاحظه الكثير ممن يساير ويتأمل تطورات هذه الجائحة ومستويات تعاطي المنابر الصحية معها، سيجد لا محالة تمثلات لما وقع ويقع فيه علماء الدين عبر العصور؛ من مطبات تبدو -للمشتغلين بالنقد المتنورين- هفوات قاتلة تستدعي منا طيّ صفحة الدين للأبد، لكن يأبى العقل الرشيدُ التسليمَ بهذا المقترح الساذج، كذلك حين نتحدث الآن عن علماء الطب فلا يُعقل أن يصل إنسان إلى نتيجة مفادها أنهم يقومون بمؤامرة خبيثة ضد البشرية، تستدعي منا تشويه سمعتهم والتنكيل بعلم الطب وطيّ صفحته إلى الأبد، هذا من الخبال غير المطلوب من وراء هذه الملاحظات المطروحة:
– الوثوقية الزائدة، ولنقل إنها نابعة من الحقائق العلمية المتوفرة بين يدي الأطباء، فهم يتكلمون عن قناعة تامة بما تم تجريبه واختباره وليس عن هوى وخبط عشواء. مع أن ما يطرح على أساس أنها حقائق تخضع للنسبية أيضا وليس هناك قطع تام نهائي حيث لا كلام بعده ولا اجتهاد، كما يصوّر بعض الأطباء للناس حين يتحدثون. (لنستحضر هنا وثوقية علماء الدين حين يتحدثون بوثوقية مطلقة مستندين إلى الحقائق التي يرونها بين أيديهم، ويخلط بعضهم الظنيات بالقطعيات فتراه يتحدث جازما أن الحق إلى جانبه، مقصيا لكل رأي مخالف واجتهاد آخر).
– ممارسة التسييج وفق أصول الصنعة، والمقصود به أن الطب ليس كلأ مباحا، فقد أفنى الطبيب مهجة عمره في الطلب والتحصيل والتجريب وفق منظومة علمية، واضحة المعالم دقيقة في التحرّي عن الصواب، وحُقّ لبعض الأطباء الذين صرّحوا بذلك في المنابر، كي يعرف الناس قدر الطب ويقف المتجرئون عند حدودهم، فلا يخاطروا بالصحة العامة. (لنستحضر هنا التسييج الذي يمارسه علماء الدين الذين أفنوا زهرة عمرهم في طلب علوم الشريعة من لغة وأصول ومصطلح.. إلخ والتي تراكمت عبر العصور، مما يستعرضونه أحيانا أمام العامة ليعرف كل واحد حدّه ويلزم مكانه، فالشريعة أيضا ليست كلأ مباحا).
– سد الذرائع، مما يلاحظ أن هذا المبدأ ليس خاصا بعلوم الشريعة بل يستعمله الأطباء والسّاسَة، كلٌّ بطريقته ومنطلقاته وتبريراته الخاصة، فقد لا يُعجَب الناس بهذا المنطق في التعامل مع الأمور، لكن سد الذرائع مقصده نبيل، وهو ابتغاء منفعة ومصلحة عامة قد لا تتراءى للفرد البسيط في الحين. فحين يؤمر الفرد بالقيام بإجراءات احترازية احتياطية وقد تُصوّر له أنها واجبة ولو كان غير معني بها مباشرة، إلا أنه مطلوب منه الالتزام بها حماية لما قد يحدث له أو قد يسببه للآخرين من حوله. (لنستحضر هذا المبدأ الذي يستخدمه علماء الدين حماية لمقاصد كبرى، على مستوى الفرد والمجتمع، قد يراه البعض حدّا من حرياته وتدخلا في صلاحياته).
– صعوبة الخروج من النسق العام (المنظومة المتفق عليها أو البروتوكول المعهود)، وهذا ملاحظ عند بعض الأطباء المتمردين -محليا وعالميا- إذ لم يرُق لهم الخطاب الطبي السائد، واقتنعوا برؤى وحقائق أخرى قد لا تتوافق بل وتنقض ما يرمي إليه التوجه العام أو الإجماع المتفق عليه، مما أورث هؤلاء اشمئزازا من تصريحاتهم ومواقفهم، ليس لهم ذنب إلا أنهم أطباء حاولوا الخروج من الصندوق والتفكير بنمط مختلف، فقوبلوا بالتهديد بسحب شهاداتهم ومحاربة خرجاتهم الإعلامية وإسكات صوتهم وحذف اجتهاداتهم في الفهم التي بثوها عبر مواقع النت، بل وصل الأمر إلى الانتقاص من قدرهم العلمي. (لنستحضر صورة المصلحين الذين تدرجوا في علوم الشريعة وبرعوا، لكنهم تمرّدوا وتجرؤوا لطرح رؤى مغايرة، وحَكَوا أقوالا مخالفة للإجماع؛ كيف تعامل معهم الصديق والعدو، وكيف تحركت الآلة الإعلامية -حسب كل عصر- لإسكاتهم وملاحقتهم وممارسة التصعيد في وجوههم بطرق شتّى).
– صعوبة الاعتراف بالخطأ والقصور أمام الناس، لأن فيه تعريضَ الصنعةِ للمهانة وتجريء العوام عليها، وهذا أمر لا يخفى فبعض الأطباء يخطئ التقدير ويزعم أنه أصاب كبد الحقيقة وينفي أيّ بديل أو طرح آخر، مع العلم أن ما ذهب إليه ليس هو الصواب المطلق، بل يحتاج الأمر تواضعا أكثر وفتحا لباب الاحتمالات. لكن يحدث أن يمرّ الطبيب وينتقل من موقف إلى موقف دون إبداء اعتراف أمام الناس الذين سمعوه أول مرة واعتقدوا بمطلق الصواب في قوله بل وتعاملوا بشدّة مع مخالفيه ! (لنتذكر مواقف بعض علماء الدين وهم يفعلون ذلك، ومبررهم دوما هو أن الاعتراف بالخطأ والقصور قد يسقط من هيبة العالم ويشكك العوام فيما يحمله من دين، فيترفعون عن ذلك ويمضون مسرعين إلى الأمام، أو يقدمون مبرر التطوّر والاجتهاد الذي قد يراه الآخرون مجرد مسوّغ وحيلة للخروج من المأزق).
– إخفاء بعض التفاصيل عن العوام، ومنها التغاضي عن بعض الإحصائيات والسكوت عن بعض المراحل التي يراها الطبيب قد لا يتناسب ذكرها مع مستوى الإدراك عند العوام (أقصد بالعوام: غير الأطباء، مع العلم أن من الناس من يفكر بطريقة علمية ونقدية)، وما ذلك إلا رفعا من درجة خطورة الوضع وتكريس الخوف من مخالفة الأوامر، فلو ذكر كل التفاصيل سيهون الأمر في أعينهم ويقفون على الحجم الحقيقي للموضوع (كذلك يفعل علماء الدين مع بعض القضايا، فسكوتهم عن بعض التفاصيل ليس إخفاء مقصودا بل هو من أجل مصلحة الناس لرفع أقصى درجات الالتزام وإبعادهم عن الاستهتار وتتبع الرخص).
– الاعتذار بأن التصرفات غير الأخلاقية لبعض الأطباء هي تصرفات فردية لا تمثل المؤسسة (نجد ذلك أيضا عند أهل: الدين، السياسة، الاقتصاد.. إلخ).
– هنا أسرد بعض السلوكات التي لا تنطبق على معاشر الأطباء بل هي استثناءات لكنها موجودة ومثيرة للانتباه:
– التعامل باستعلاء مع العوام ممن يبدي نقده أو اعتراضه (طبعا لأن الطبيب يستند إلى الحقائق).
– الاستعانة بالسلطة السياسية أو العسكرية أو حتى الدينية لتحقيق الردع والتخويف (طبعا لأجل حمل الناس على الامتثال والالتزام بما ينفعهم).
– شراء الذمم من طرف لوبيات الصيدلة والشركات العابرة للقارات (طبعا هو أمر يفوق طاقة الأطباء، فهي سياسة اقتصادية لا تنتصر للإنسانية بل تنحاز إلى جانب المصالح).
– التعامل بازدراء مع من لا يسلك أصول الصنعة، ولو أثبت فعاليته غير المفسرة بطريقة المنهج التجريبي المعروف: كالطب الصيني التقليدي وغير ذلك من الاستطبابات المحلية الخاصة بكل منطقة (طبعا هذا الازدراء مبرّره عدم فتح المجال للدجل والشعوذة، لكن الشيء الغريب هو ما يثار من امتعاض حول بعض الأطباء الذين يسعون للمزاوجة بين المنهجين في التطبيب).
تلاحظون منذ البداية وإلى غاية اللحظة، أنني ألتمس الأعذار والمبررات لعلماء الطب وعلماء الدين، ليس منًّا ولا أذى، حاشا عن ذلك، بل لأن علماء الطب المخلصين ينتمون لفئة البشر وحين يمارسون السلطة (هذا المصطلح المكروه في الأوساط) فإنهم يمارسونها بمسوغات الحفاظ على الصحة العامة من أن تعبث بها أيدي غير أمينة؛ تدّعي حق الحرية المطلقة في التفكير والتصرف. تماما كما يعتقد علماء الدين المخلصين حين يمارسون سلطتهم (التي يرونها تكليفا لا تشريفا) خشية وقوع الناس فيما لا تحمد عقباه دنيا وأخرى، ومخافة اختلال ميزان القيم وفقدان البوصلة وإهدار إنسانية الإنسان.
لذلك فليحترم كل أهل تخصصٍ تخصصَ الآخرين، وليسْعَ للانفتاح على من حوله، ويعذر غيره، ويمنح مزيد التواضع والشفافية لمن يسوسهم؛ فكلنا نحتاج لبعضنا البعض، وكلنا ذلك الإنسان، الذي حين يتسيّد فإنه يتسلّط ويبرر لنوازعه الطيبة في تسيير وحفظ شؤون البلاد والعباد، ولله في خلقه شؤون !
تنبيه: الالتزام بأقصى درجات الوقاية والاحتياط، أمر ضروري جدا وهو ما يدعو إليه المقال.


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة