فضاءات القدس الشرقية
إعلانات


>> القدس الشرقية >> الفضاءات العامة

الصفحة: 1 من 1
المشاركة في فضاءات القدس الشرقية ممكنة للأعضاء المسجلين أو المشتركين في صفحاتها !...

لستُ أدري إن كان الأستاذ مصطفى بكري يعلم أنه بتصريحاته وأقواله، وتحليلاته التي لا تستند إلى دليلٍ أو برهان، وتفتقر إلى الحكمة والحصافة والرشد، وتخلو من المنطق والعقل، والتي يكيل فيها الاتهامات الكبيرة والخطيرة إلى الشعب الفلسطيني كله، أنه يلحق ضرراً بشعاً وظلماً شديداً بشعبٍ بأكمله. فهو يتهمهم بالتخريب والتدمير، وأنهم وراء كل مفسدةٍ في مصر، وأنهم خلف كل حادثٍ يقع فيها، فلا مؤامرة تدبر إلا ويحيك الفلسطينيون خيوطها، وما من سلاحٍ يضبط في يد أحدٍ إلا أتهم حامله...



حزيران شهرٌ يرتبط دوماً بالنكسة، فلا يُذكر إلا مرادفاً للهزيمة، ولا يعرفه العرب إلا مقترناً بالخسارة، ومرتبطاً بالهجرة والضياع، واللجوء والشتات، حتى كاد أن يكون شهراً مشؤوماً منحوساً، لا يحبه الناس، ولا يستبشرون به خيراً، فلا يعقدون فيه صفقاتهم، ولا يحيون احتفالاتهم في لياليه، ولا يرغبون في تذكر مآسيه، ولا استحضار نكباته ونكساته على كثرتها، فهو يوجع ذاكرتهم، ويوخز ضمائرهم، ويخزي نفوسهم، ويكشف استهتارهم، ويعري حقيقتهم، ويبين لهم مدى الهوان الذي لحق بهم،...



هل صدقَ المتنبي عندما قال لا تشتري العبد إلا والعصا معه، إن العبيد لأنجاسٌ مناكيد، أم قد جانبه الصواب، وأخطأ المقال، وخالف الحق، وتجنى على الإنسان، وقد اتبع هواه تشفياً وانتقاماً، وأراد الانتقام ممن أهمله ولم يعره اهتماماً، فجعل من قضيته الشخصية شأناً عاماً، ووجه جام غضبه على فئةٍ من البشر، كان منهم أعظم الرجال، وأكبر القادة، وخيرة الفرسان، وأشهر الشعراء، وأشجع المقاتلين، ومنهم السابقون الأولون، كبلال بن رباحٍ الحبشي، فكيف تجنى عليهم وهو المشهود له في شعره...



ماذا يخبئ لنا القدر نحن العرب والفلسطينيين بعد النكبة التي حلت بنا فضيعت أرضنا، وشردت شعبنا، ومكنت لعدونا في بلادنا، وأفقدتنا أقدس أرض، وأعز ديار، وجعلت منا لاجئين مشردين، نسكن الخيام، ونقيم في المخيمات، ونتسول الأمم، ونترقب قرارات مجلس الأمن، بعد أن سكن بيوتنا يهودٌ وافدون، وصهاينةٌ مهاجرون، وآخرون غاصبون، فغيروا معالم بلادنا، وشطبوا هوية أهلنا، وبدلوا أسماء مدننا وبلداتنا، فحققوا ما لم يكونوا يحلمون به، واستولوا على أكثر مما كانوا يتطلعون إليه. وماذا تحمل...



الاستجوابُ والمساءلةُ وحجبُ الثقةِ والمحاكمةُ ليست ثقافةً غربيةً، وسلوكاً ديمقراطياً لا نعرفه، ونريد أن نتعلمه من غيرنا، بل هو من صميم ديننا، ومن أصل تراثنا، وهو من أعرافنا القديمة وعاداتنا الأصيلة، وقد علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ به من بعده صحابته الكرام وخلفاؤه الراشدون، وحض عليه ديننا الحنيف لئلا يتفرد الحاكم ويتغطرس، أو يصيبه الغرور ويظلم، أو يظن أنه فوق القانون فلا يُسأل ولا يُستجوب، أو يستهتر برعيته فيصادر حقوقهم ويبطش. بل كان الخلفاء...



لم يعد لدى العرب لغةً يتفاهمون بها فيما بينهم غير السلاح، فهي الوسيلة الأسرع، والأسهل استخداماً، والأكثر أثراً، والأبلغ وعياً، والأجدى تغييراً، والأوفر وجوداً، رغم أنهم أهل الفصاحة والبيان، وأرباب الكلمة واللسان، ينظمون شعراً كالدر، ويقولون نثراً كالجمان، ويباهون بلغتهم، ويعتزون بحكمتهم، ويتفاخرون بحلمهم، ويحفظون عن سلفهم أعظم الأشعار، وأصدق الحكم، إلا أنهم تخلوا عن تركتهم، واستغنوا عن حكمتهم، وأعيوا لسانهم، وسمموا بيانهم، وضربوا عرض الحائط بثراتهم...