فضاءات الصنمين

الصنمين

فضاء القرآن الكريم والسنة النبوية

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدة
محمد توفيق الكلش
مسجــل منــــذ: 2011-01-23
مجموع النقط: 10.43
إعلانات


من قَصَصِ النبوة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" "آل عمران:102"، "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" "النساء:1"، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً" "الأحزاب:70- 71".
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها المؤمنون، يا عباد الله: إن الإنسان ليلقي بأذنه إلقاءً ليصغي مهتماً لمن يحكي له عن الماضين أو الحاضرين بعض أخبارهم ومآثرهم، وربما كان في ذلك القصص نوعٌ من المبالغة أو التهويل، أو الاختلاق والتخييل، لكنَّ قَصَصَ الوحي هو الحقيقةُ عينها في السنة والقرآن، لا زيادة فيها ولا نقصان، فمقصودها الاهتداء بحسن الاقتداء، وبلوغ التأثير والإخلاص في العمل بصواب الائتساء، قال الله في سورة آل عمران 62 في قصة عيسى عليه السلام: "إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره العظيم "جامع البيان في تأويل القرآن" عند هذه الآية: "يعني بذلك جل ثناؤه: إن هذا الذي أنبأتك به، يا محمد، من أمر عيسى فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم وروح منّي، لهو القصَص والنبأ الحق، فاعلم ذلك. واعلم أنه ليس للخلق معبودٌ يستوجبُ عليهم العبادةَ بملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبُدُه، وهو الله العزيز الحكيم".
وقال سبحانه في سورة يوسف: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ"109" حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ"110" لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"111"".
أيها المسلمون يا عباد الله: ولهذه المعاني العظيمة لقَصَصِ الوحي الحق والتصديق القلبي والعملي، كان الصحابة رضي الله عنهم يجلسون يستمعون باهتمامٍ لمن يقرأ عليهم، روى الإمام أبو داود في سننه قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ بَشِيرٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنْ الْعُرْيِ وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا، إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ الْقَارِئُ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ قَارِئٌ لَنَا يَقْرَأُ عَلَيْنَا فَكُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ، قَالَ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسْطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ قَالَ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَاكَ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ. وصعاليك
المهاجرين أي فقراؤهم.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ يشير إلى أمر الله تعالى له في سورة الكهف: "وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا"28"".
أكرم بهذا الذي قضى، وعجباً لما قضى من حكم، وأكرم بهذين الرجلين المؤمنين بما حمل كل ٌمنهما من غنى القلب وعفة النفس، وعز الإيمان، وإنهما ليُذَكِّرانِنَا حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في البخاري ومسلم، قال البخاري: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ.
الله أكبر ما هذه العظمة للمؤمن عند ربه سبحانه وتعالى، والله أكبر ما هذه الكرامة التي يكرم بها، ولكن أليس المؤمن يستجيب لله؟.. أفمن عجبٍ أن يستجيب الله له- والجزاء من جنس العمل- فلا غرابة؛ إذن، يا عباد الله، فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا"!.. ألم يسمع ما نقل عن ميمون بن مهران قال: "لا يكون العبد تقيا حتى يحاسب نفسه، كما يحاسب شريكه، من أين مطعمه وملبسه؟"!..
أنتم يا عباد الله في ضعفكم ماكثون ما بقيتم متخالفين، فبادروا الخصومة والاختلاف فيما بينكم بالصلح والائتلاف، والجماعة الجماعة، فيد الله على الجماعة، لئلا يفجأكم ما تكرهون، ممن لا تحبون، فالعدو متربص، واعلموا أن النصر مع الصبر، والاصطفاء مع الابتلاء، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، ولن يغلب عسر يسرين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الله فتوكلوا، وبه فثقوا، وعلى البر فتعاونوا، وبالتقوى فتسلحوا، وبالصبر فتدثروا، والصدقُ الطريق فاستقيموا واسلكوا، فالعطاء عطاؤه تعالى، والنصر نصره عز وجل، والحفظ حفظه، وصدق من قال:
وإذا العنايةُ لاحظتك عيونها ** نم فالمخاوفُ كلهنَّ أمان
اللهم مغفرتك فلك الحمد أنت أهل التقوى وأهل المغفرة، فتقبل منا فبفضلك ما أحسنَّا، واعف عنا خلقتنا ضعفاء ونقر بما أسأنا، وعافنا فلا طاقة لنا إلا بك، ولا قدرة لنا إلا منك نسترحمك يا الله يا رحيم، أنت الغني ونحن الفقراء، وأنت القوي ونحن الضعفاء، وأنت العزيز ونحن الأذلاء، أنت ربنا وحدك لا شريك لك ونحن العباد، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله- سبحانه- ما طرفت عين، والصلاة والسلام على صاحب الوَحْيَيْن، رسول الله إلى الثقلين، محمد بن عبد الله كريم الأصلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا في أسمائه ولا في صفاته، ولا في ألوهيته ولا في ربوبيته، بفضله جل وعلا قامت السماوات والأرض، وبرحمته عز جنابه صلحت الدنيا والآخرة، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.
أما بعد: أيها الناس، يا عباد الله: فلنكن بالتوبة والإنابة بعيداً عن أصناف العاجزين وأنواع الخاملين، والمنافقين الكسالى والمرائين، الذين أهمتهم أنفسهم، فظنوا بالله غير الحق ظن الجاهلية، ولنحمل أنفسنا على القوة في الإيمان حملا، ممتثلين لهذا التوجيه من النبي الكريم ومن أحسنُ قولا.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان رواه مسلم.
وصدق من قال:
يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف
ثم ارعوى ثم انتهى ثم اعترف
أبشر بقول الله في آياته
أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف.
أيها المسلمون: إلى متى الانتظار على فساد ذات بيننا دون إصلاح؟!!..، وتفرق كلمتنا دون توحيد؟!.. وتمزيق صفنا دون اجتماع؟..، وقتل نفوسنا وهدر دمائنا في غير حق؟.. وتضييع مالنا في غير منفعة، وإفناء أعمارنا في غير توفيق؟!!.. إلى متى نسعى في سرور عدونا بحزن شيبنا، وأسر شبابنا، وتصديع وتشقيق بنائنا؟!! .. إلى متى مشاقة ولي أمرنا ومحاولة هدم بيتنا الفلسطيني على رؤوسنا؟.. فلنُسْلِمْ الأمر أهله، ولنستسلم إيماناً وإذعاناً للحق ورجوعاً إليه، فالحق أحق أن يتبع، والرجوع إلى الحق فضيلة، والتمادي في الباطل رذيلة، واعلموا أن الصلح فيما بيننا هو أعظم الواجبات علينا، في هذا الوقت الذي يمعن فيه المحتلون الغاصبون في ظلمهم وعدوانهم، وعلينا التمسك بالكتاب والسنة ونهج السلف الصالحين، والصبر الصبر مع الصلاة، كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" "البقرة:153".
ألا وصلوا وسلموا على النبي المصطفى، والرسول المرتضى، محمدٍ بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنه وكرمه سبحانه إنه أكرم الأكرمين.

تقييم:

0

0
مشاركة:


التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة