فضاءات جنين بورزق

جنين بورزق

فضاء القرآن الكريم والسنة النبوية

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
حجيرة ابراهيم ابن الشهيد
مسجــل منــــذ: 2010-10-19
مجموع النقط: 2445.95
إعلانات


أَنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاء الله أَطْعَمَه؟..2022-08-17 أ. محــمد الهادي الحســني نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

عندما أنزل الله –عز وجل- القرآن الكريم إعلاناً للثورة السماوية على الأباطيل والضلالات الأرضية التي أقامها الفاسدون المفسدون في الأرض، ليتحكموا في رقاب الناس ويستعبدوهم ويتخذوهم سخريا.. عندما جاء القرآن الكريم قذفاً بالحق على الباطل ضاقت صدور أولئك الفاسدين المفسدين، فحاولوا «احتواء» رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فلما استعصم، ولم يستجب لما عرضوه عليه، طلبوا منه –لجهلهم- أن يبدل هذا القرآن فقالوا -كما جاء في الكتاب المسطور- {…ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ}، فأوحى إليه الله -عز وجل- أن يردَّ عليهم بقوله: {…مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

لـما يئس الملأُ من المشركين أن يحْتَوُوا رسول الله -عليه الصلاة والسلام- تَوَاصَوْا بالنَّأي عن القرآن ونَهْيِ غيرهم عنه، وقد سَجَّلَ القرآن الكريم ما تَوَاصَوْا به في قوله:
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.
من تعاليم الإسلام ومبادئه التي أزعجت عقول هؤلاء المشركين، وأقَضَّتْ مَضَاجِعَهُم ما أَوْجَبَهُ الله -عز وجل- من دفع الأغنياء نصيباً من أموالهم إلى الفقراء، لِنَزْعِ ما في صدور أولئك من شُحٍّ، وما في صدور هؤلاء من غِلٍّ.. ولتحقيق «مجتمع متوازن لا طبقية فيه ولا صراع طبقات». (مارسيل بوازار: إنسانية الإسلام. ص 162). إذ الإسلام «يهدف على الصعيد الاقتصادي إلى استئصال الفقر من جذوره». (نفسه ص 66).
إن أهم وسيلة أمر بها الله -عز وجل- لتحقيق هذا الهدف السامي هي «الزكاة»، وقد جعلها ركنا من أركان الإسلام الخمسة، بحيث لا يكون المسلم مسلما إلا بالإيمان بها، وإيتائها إن توافر فيه ما يوجِبُ عليه إخراجها من نصاب وحولان الحول.
ومما يَلْفِتُ الانتباه، ويدعو إلى التدبر هو الصيغة التي جاء بها القرآن الكريم في هذا الركن الركين في إقامة المجتمع المتوازن المتماسك، فقد استعمل فعل الأمر «خذ» الذي يوحي بأخذها «قهرا» ممن نازَعَتْهُ نفسه في الامتناع عن دفعها؛ وبين كلمة «الصدقة» التي توحي بـ «الإرادة الذاتية» وعدم الإجبار على دفعها، فجمعت هذه الصيغة القرآنية بين «الواجب» المفروض على المزكي، وبين «الحق» الذي أقرَّهُ الله –عز وجل- للمُزَكَّى له، ولهذا ورد في الحديث الشريف قوله -صلى الله عليه وسلم- ما مؤاده من أدى الزكاة مؤتجِراً فله أجرها، ومن غلبت عليه شهوتُه، وغلبَه قرينُهُ أُخِذت منه جبراً، وأُخِذَ منه شطرُ ماله.
إن الإسلام «نظام حياة»، ولذلك فقد حَدَّدَ في كتابه الكريم المستحقين لأخذ هذه الزكاة من أصناف المجتمع، وهم المذكورون في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ…﴾، كما أقر في الكتاب الكريم نفسه «نظاما» لجمعها تحت مصطلح «العاملين عليها» جمعاً وتوزيعاً لها. فالزكاة مؤسسة اجتماعية – اقتصادية لا تتوقف عن العمل ساعة من نهار، إضافة إلى بُعْدِها الديني التعبدي، والعلاجي النفسي بتطهير النفس من الشح والأثرة.
فالزكاة هي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي لا يؤديه المسلمون جميعا في وقت واحد، بل هي مشروطة ببلوغ النصاب في الأموال والأنعام وحولان الحول، وبأوقات حصاد المزروعات وجمع المغروسات، ولكل صنف وقت حصاده وجمعه.
لقد راعى الإسلام في جمع هذه الزكاة، وتوزيعها على مستحقيها من قِبَلِ مؤسسة رسمية، أو من «جماعة المسلمين»؛ راعى أمورا منها:
• عدم تكديس المال عند شخص أو أشخاص في حين أن في المجتمع من هو أحوجُ منه.
• قد يرتكب المُزكِّي مَنّا أو أذى إن اختلف مع المزكَّى له فتفسد صدقته.
• المحافظة على كرامة المُزَكَّى له عندما لا يعلم مصدر ما أُعْطِيَ من زكاة.
إن «الجاهلية» ليست مرحلة مَضَتْ وانصرمت؛ ولكنها حالة مرتبطة بالتزام المسلم بالإسلام، وارتباط غير المسلم بقيم إنسانية شريفة.. ولذلك نجد من «المسلمين» من هو غارق في «الجاهلية» إلى الأذقان، فلا يقيم أركان الإسلام ومنها الزكاة، ولا يحيا ويُحْيِي قيم الإسلام ومبادئه، كما نجد «تَجَمُّداً» في المشاعر الإنسانية النبيلة عند غير المسلم، فإذا كان بعض «المسلمين» اليوم من يقول ما قاله المشركون في صدر الإسلام ﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾؛ نجد عند غير المسلمين من يقول مثل ما قال أحد الأمريكيين وهو رالف وَالْدُو إِمرسون عندما طلب منه بعض المساعدة لمن عضهم الدهر بنابه: «They are not my poors» أي «أنهم ليسوا فقرائي». فالحمد لله على نعمة الإيمان والإسلام، وكفى بها نعمة، والحمد لله الذي هدانا إلى الإيمان والإسلام، وما أَجَلَّ قول الشاعر المسلم محمد إقبال:
إذا الإيمان ضاع فلا أَمَان  وَلا دنيا لمن لم يُحْي ديناَ
ومن رضي الحياة بغير دين  فقد جعل الفناء لها قرينا


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة