فضاءات بشار

بشار

فضاء أعلام ورجالات وعوائل

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1380.36
إعلانات


البصائر/الذكرى الستـون: من استقلال الأرض إلى استقلال القرار/ثورة في السجون: المجاهدون يحوّلون المعتقلات إلى مدارس

ثورة في السجون: المجاهدون يحوّلون المعتقلات إلى مدارس

: 2022-07-05

أد. مولود عويمر/

يجد القارئ في هذه السلسلة نصوصا قديمة متجددة حررها العلماء والأدباء الجزائريون حول قضايا عصرهم واهتماماتهم العلمية والأدبية والفكرية والسياسية الوطنية والعالمية. وحوت هذه النصوص المرجعية للفكر الجزائري المعاصر معينا غزيرا يغرف منه الباحثون المشتغلون على تاريخ الجزائر في القرن العشرين والدارسون لذخائر تراثنا. وألتزم هنا قدر الامكان بنشر الآثار المغمورة أو المتداولة بشكل محدود لننفض الغبار عنها ونحيي جهود أصحابها الذين لم ينصفهم دائما الباحثون لأسباب مختلفة. وأمهد في كل مرة بترجمة موجزة لصاحب النص، وبيان سياقه العام وعرض مختصر لمضمونه، وتعريف مقتضب للمصدر الذي اقتبست منه، وهي في غالب الأحيان عبارة عن جرائد ومجلات قديمة تعتبر في حد ذاتها وثائق مغمورة أو نادرة.

صاحب المقال هو العالم الجزائري الشيخ أحمد حماني المولود في 6 سبتمبر 1915، ببلدية العنصر بولاية جيجل. درس في مسقط رأسه ثم واصل تعليمه في مدينة قسنطينة على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس بين 1931 و1934. واتجه بعد ذلك إلى تونس للدراسة في جامع الزيتونة حيث تحصل على شهادة الأهلية في 1936، ونال شهادة التحصيل في 1940، وشهادة العالمية في سنة 1943.
انضم مبكرا إلى صفوف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكتب في جريدتها «البصائر»، ودرّس في مدارسها وفي معهد الإمام عبد الحميد بن باديس، وترأس لجنة التعليم العليا في عام 1955.
انخرط في العمل الثوري منذ عام 1954 سرا، وكان يخدمها في معهد ابن باديس وفي دار الطلبة حتى أكتشف أمره فاعتقل من طرف الجيش الفرنسي في 11 أوت 1957 بالعاصمة، وبقي رهن الاعتقال والحبس إلى عام 1962.
وبعد استعادة السيادة الوطنية والاستقلال عمل الشيخ حماني أستاذا بمعهد الدراسات العربية بجامعة الجزائر بين عامي 1962 و 1972، كما عيّن بعد ذلك رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى، ومثّل الجزائر في العديد من المؤتمرات المنعقدة في الدول العربية والإسلامية. وكان آخر منصب تقلده هو رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بين 1991 و1998.
نشر الشيخ حماني العديد من المقالات في الصحف العربية الجزائرية وأصدر مجموعة من الكتب، أذكر منها: «الإحرام لقاصدي بيت الله الحرام»، «صراع بين السُّنة والبدعة»، «فتاوى الشيخ أحمد حماني» و»من الشهداء الأبرار: شهداء علماء معهد عبد الحميد بن باديس». وقد جمعت أعماله في عام 2013 ونشرت في عدة مجلدات. توفّي الشيخ أحمد حماني في 29 جوان 1998 بالجزائر العاصمة.
نشر هذا المقال في العدد 6 من «مجلة أول نوفمبر» الصادر في جوان 1974. والمجلة أسسها المجلس الوطني لقدماء المجاهدين (المنظمة الوطنية للمجاهدين حاليا) في أكتوبر 1972، وما زالت تصدر إلى اليوم. وترأس تحريرها الأستاذ عبد الحميد سقاي. واستكتبت هذه المجلة نخبة من المؤرخين والأدباء والشعراء الجزائريين أمثال: أبو القاسم سعد الله، عمار الطالبي، يحي بوعزيز، جمال قنان، محمد العربي الزبيري، عبد الله الركيبي، علي مرحوم، الزبير سيف الإسلام، عبد الحفيظ أمقران، محمد الصالح الصديق، سعدي بزيان، التلي بن الشيخ، عبد القادر السائحي، زهور ونيسي…الخ. كما كانت تنشر باستمرار شهادات حية للمجاهدين وتتابع أخبارهم وتغطي نشاطاتهم المختلفة.
وقد اقتصرت هنا من صفحات المقال على ما له صلة بالتعليم داخل السجون. فقد روى الشيخ حماني في هذا النص اعتقاله في مدينة الجزائر وبعد 27 يوما من الحبس والتعذيب نقل إلى مدينة قسنطينة وحكمت عليه المحكمة العسكرية الفرنسية بالأشغال الشاقة، ونقل إلى سجن لمبيس بتازولت، حيث بقي معتقلا فيه إلى غاية يوم 4 أبريل 1962. وقد استطاع مع ثلة من المعلمين أن يحوّلوا هذا السجن السيء الذكر إلى مدرسة لتعليم الأسرى الجزائريين. وكانوا يقدمون لهم تكوينا علميا أخرجهم من الأمية والجهل. وقد ذكر الشيخ حماني في مكان آخر أنه كان يدّرس في السجن كتاب «تاريخ الشعوب العربية» للمستشرق الألماني المعروف كارل بروكلمان.
*** *** ***
مما ينسب إلى الإمام جمال الدين الأفغاني رحمه الله أنه قال ما فحواه: كل من كافح الظالمين ونازل الغاصبين وعمل لتنبيه الغافلين، وسعى لتحرير المستعبدين لابد أن يسقط شهيدا، أو يموت غريبا طريدا، أو يسجن ويعيش فريدا، وكان يتحسر أن نصيبه من هذه الثلاثة كان أخفها وأهونها، ولم يذكر عنه أنه قال: أو يعيش إلى أن تدرك أمته النصر، وهو إحدى الحسنيين، فيعيش سعيدا، وهذا ما وقع لأبناء الجزائر (…).
الأبطال يساقون إلى السجون
بمجرد إعلان الثورة في ربیع الأول 1374ه / أول نوفمبر 1954 م تحركت هذه الآلة الرهيبة تقتل وتذبح وتفتح السجون والمعتقلات لإستقبال المئات ثم الآلاف ثم مئات الآلاف في المحتشدات ولكن هيهات فقد عم النظام الثوري، وامتدت عروقه، واستوى على سوقه، وبسقت فروعه، وحيثما كان جزائريون فثمّ ثورة، ونظام، وطاعة، وعمل.
استقبلت السجون الإستعمارية والمعتقلات -أول نشوب الثورة – ضحاياها من بين الذين كان لهم نضال سیاسی معروف، ومواقف وطنية صريحة، وإن لم تكن عليهم – يومها – بيّنة تثبت اشتراكهم الفعلي في الثورة الناشبة، ولكن التهمة المستيقنة أن الثورة بنت الأفكار والحركات والأعمال الثورية التي كان لهم الفضل في المشاركة فيها، والمشبوهون منهم وكانوا يوجّهون غالبا نحو المعتقلات – كان اعتقالهم لمجرد الشبهة عندهم فيهم، وقد يكون في هؤلاء وهؤلاء قادة كفاح، ثم أخذت أفواج الثوار الحقيقيين – وأعني بهم الذين قبض عليهم متلبسين فعلا بأعمال ثورية – ترد على السجون، من جنود سقطوا في الميدان جرحى أو نفدت ذخائرهم، أو بوغتوا، ومن الفدائيين قبض عليهم حائزين للسلاح، أو أثر عملية أو بواسطة اعترافات انتزعت بالعذاب الرهيب، ومن مسبلين، ومن سياسيين قائمين بربط الإتصال، ومن ممونين، فهؤلاء كلهم لا محيص لهم من ارتياد السجن وذوق عذابه، ويحال إلى المعتقلات من لم تثبت عليه الشرطة تهمة، أومن برأه قاضي التحقيق أو انتهى من سجنه أو من شاء أن يردعه فيها أي حاكم من الحكام الفرنسيين.
ولا يصل السجين إلى سجنه حتى يعصر عصرا، وينال من العذاب ألوانا ويبقى في أيدي الزبانية أياما عديدة أو شهورا كثيرة (…) في هذه الفترة كان الأسری منا في خطر عظيم ماداموا بأيدي فرق الزبانية التي مر ذكرها، وقد أعدموا- في عاصمة الجزائر وحدها أكثر من ستة آلاف شهيد في عهد السفاح ماسو والمغتال بیجار. ويعتبر سعيدا حقا من نجا من أيادي الشرطة، واجتاز هذا الدور، ووصل سالما إلى السجن. أما من مثل بين أيدي القضاة الجلادين وحكم عليهم بغير الإعدام فقد كانت التهاني تقدم له. وأذكر سجينا عاد من المحكمة فقدمت له التهاني فسألته: بكم حكم عليك؟ فقال بالسجن المؤبد! فقلت كيف تكون مع هذا مسرورا؟ ألا تستأنف؟ قال: وهل أنا مهبول؟ لقد طلب لي الغراق – حكم الإعدام فنجوت، وكنت أنا حديث عهد بالسجن.
فلم أعجب بعد أن سمعت هذا لما رأيت سجينا آخر عاد من المحكمة وأخذ يرقص، لأنه حكم عليه بالسجن مدة ثمانية أعوام فقط!.
وكان أكثر المساجين فدائيين تأصلت فيهم روح الفداء وبذلوا أنفسهم وراحتهم لحفاظ كرامة المساجين (…) ولم يكن المساجين في عزلة بل كانوا على اتصال متين بالنظام السياسي لجبهة التحرير، والنظام العسكري لجيش التحرير. وكان الاتصال في سجن تازولت مع الولاية الأولى، وتارة مع أشخاص من الولاية الثانية. كانت الأوامر والتعليمات تأتي من الخارج فتنفذ، وتخرج الاتصالات من السجن.
التعليم داخل السجون
ولقد كان التعليم إجباريا في السجون بمقتضى النظام الداخلي ومقتضى الأوامر الآتية من الخارج. والذي ينظمه ويخطط له وينفذه هم رجال في داخل السجن من المختصين.
أذكر أنني وصلت حديثا إلى سجن تازولت المرکزي في 6 نوفمبر 1958 بعد أن قضيت بضعة أشهر في سجن الكدية بقسنطينة، وما أن دخلت الفناء المخصص بعد نحو أسبوع في العزلة وكنت منهوك القوی من إثر اعتداء إجرامي تعرضت له مع غيري من الوافدين في القافلة معي وكاد يِودي بحياتي -ما أن دخلت الفناء حتى أتصل بي أحد الإخوان المسؤولين وقال لي: متی نشرع في القراءة؟ فقلت إني تعب منهوك القوى فقال: الأوامر صارمة، ولا بد من التعليم، وكل سجين إما معلِّم أو متعلِّم، فكل من يحسن القراءة يجب أن يعلِّم وكل من لا يحسنها يجب أن يتعلم. فقلت سمعا وطاعة سنفعل بعد راحة قليلة.
لقد كان المساجين يقرؤون لرفع الأمية فحسب، ولكني رأيت أن يكون تثقيفيا، فاتفقت مع الإخوان علی وضع خطة تشمل برنامج السنوات الابتدائية كلها وبرنامج التكميلي. وأن ننفذ ذلك بحسب استطاعتنا، كل في الفناء الذي يكون فيه. ويفرز الطلبة ويلحق كل بقسمه. وطلبة التكميلي يتحملون ويعلمون، وقد أمكن لنا أن نعلم في أقسام مجهزة منذ سنة 1960 وأن نجمع الطلبة فيها، فاتفقنا على أن نتداول على دروس القسم التكميلي الذي جمع نخبة صالحة وأن يختص كل منا بقسم ابتدائي. كما أن أمكن لنا التحصيل على انشاء مكتبة عربية للمطالعة وإدارة الكتب. واتصلت بإخوان في تونس-بدعوی أنهم أقارب فأمدونا بمجموعات من الكتب المفيدة كما اتصلنا من بلدة تازولت نفسها بكمية طيبة من الكتب النافعة.
وبهذه الطريقة أصبح طلابنا يتلقون القواعد في كل الفنون المطلوبة مما كان يدرس في المدارس الابتدائية والتكميلية، كل على حسب درجته، ويطالعون الكتب القيمة لتكميل معلوماتهم وإنماء ثقافتهم، ويتدربون علی الإنشاء والكتابة، وعلى تأليف الخطب وإلقائها يوم الأحد، ويوجهون التوجيه الصحيح. وكان الأستاذ كل في فناء يتحمل مسؤوليته الكاملة ونجتمع كل يوم لنضع الخطط ونراقب التنفيذ. وكان بعض الإخوان- يرى أن تعليمنا ينبغي أن يقتصر على رفع الأمية، وكنت -مع هؤلاء الإخوان- نرى أن يكون تعليما کاملا شاملا يعد الطلبة للحياة. وكانت مدة ثلاث سنوات ونصف من حياتنا في تازولت كافية – لمن لا زمونا – لتكوين مثقفين على أساس متين إستطاعوا أن يقوموا بمهمة المعلمين- لأنهم كانوا وهم مساجين يتعلمون ويعلّمون ما يتعلمون – منذ ابتداء عهد الاستقلال ثم تابع كثير منهم دراسته حتى بلغ أعتاب الجامعة ودخله. وأصبح يحمل من جامعة الجزائر أو قسنطينة أو وهران شهادة العالمية «الليسانس» ولم يكن يوم دخل سجن قسنطينة أو الحراش أو وهران أو تازولت أو غيرها يحسن قراءة مسألة أو «يفك جواب» كما تقول عاميتنا. وليس هذا بعجيب على أبناء الثورة الجزائرية العتيدة التي زلزلت أركان الاستعمار في إفريقيا بل في العالم.
لقد كنت أشاهد نموهم وأری تدرجهم وطموحهم وأتصوّر أمام عيني شخص الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله، إمام الثورة الروحية الثقافية العلمية ينشد قول شوقي – الذي كان يؤمن به فجعله شعاره في تعميم التعليم وكتبه على كراريس تلاميذ مدرسة التربية والتعليم:
فعلم ما استطعت لعل جيلا  سيأتي يحدث العجب العجابا.
ويقول: أما العجب فقد رأيناه يحدث، وأما العجاب فلعله سيحدث.
ولقد أحدثه بالفعل جيل الثورة وهو جيل متصل بجيل عبد الحميد. ولقد تحدثت عن التعليم بتازولت لأني قضيت أغلب أيام سجني هناك. ولكن من الإنصاف أن أقول أن سجون بربروس، والحراش وغيرهما والمعتقلات الكثيرة كان يحدث بها مثل أو خير مما حدث بتازولت، وأن علماء الجزائر ومثقفيها كان كل منهم يقوم بمهمة حيثما وجد.
وقد ذكرت أن التعليم كان إجباريا فكل من كان في سجن أو معتقل كان يعلّم. ولقد فوجئت يوم رجعت من السجن فوجدت من الجند من لم يكن يعرف شيئا من القراءة والكتابة قد أصبح قارئا كاتبا فآمنت أن هذه الثورة كانت حقا ميلادا لأمة جديدة في الحياة، جديرة بها».


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة