فضاءات بشار

بشار

فضاء الثقافة والمواضيع العامة

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1407.97
إعلانات


عُدْنَا قوماً أهل جاهلية / ل أ د- محمد الهادي الحسني10/8/22

ما أن صَدَعَ محمد –عليه الصلاة والسلام- بما أُمِرَ من ربه أن يصدع به حتّى جَنَّ جُنُون الملإ من قريش، فحاولوا بكل وسيلة هداهم إليها قُرَنَاؤهم من الجن أن يحتووا محمدا –عليه الصلاة والسلام- ومنها عرضهم عليه المُلك، والمال، وما تشتهيه الأنفس من المُتَع فاستعصم.

شن الملأ من قريش حربا نفسية رهيبة على محمد –عليه الصلاة والسلام- وسلطوا على أصحابه المستضعَفين أشد العذاب، فلم تلن لهم قناة.. ولم تنكسر لهم عزيمة، ولم تضعف لهم إرادة. ولما رأى الأَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم أصحابَهُ يُعانون بصبر ومصابرة ما تسلطه عليهم قريش من أصناف العذاب، قال لهم: اذهبوا إلى الحبشة، فإن فيها مَلِكًا لا يظلم عنده أحد.

ما أن اطمأن جنب أولئك الأخيار في الحبشة حتى سارعت قريشٌ فأرسلت وفداً يرأسه رجلٌ منطيق هو عمرو بن العاص الذي أوغر صدر الملك عليهم.. لولا أن منطق نقيب المهاجرين جعفر بن أبي طالب كان أقوى، وحجّتُه كانت أقطع، وبيانه كان أسطع قال: “أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية…” وسردَ بعض ما كان العرب يأتونه في نواديهم من منكرات… فخاب سعي قريش وسفيرها.

هاجر محمد –صلى الله عليه وسلم- إلى يثرب، وَوَجَدَ أنصاراً وَحُماةً، وصار لدعوته دولة بعد ما كانت دعوة بلا دولة.. واكتسحت هذه الدعوة بنورها عقول الجاهلين، وأزاح جنودها جنود الطاغين، يميناً وشِمَالاً وجنوباً وشَمَالاً، ورأى الناس لأول مرة دولة ليست كأحَدٍ من الدول رغم ما ارتكبه بعض الأفراد من الأخطاء في عمليات الفتوحات، حتى شهد شاهد من الغربيين وهو غوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب” بأن التاريخ لم يعرف فاتحاً أرحم من العرب، أي المسلمين.

وتوالت السنون، وتعاقبت العصور، فبدأ المسلمون يتجردون من مبادئ الإسلام وقيمه، وراحوا ينقضون عُرَاهُ واحدة إثر أخرى، حتى لم يبق عند أكثر المسلمين إلا طقوس ورسوم، لا تُقنع عقلا، ولا تروي ظَمَأً، ولا تهدي نفسا.. وصار أكثرنا يرتكب من فواحش الجاهلية ما كان بعض الجاهليين يَعِفُّون عن إتيانه.. فاستبدلنا الشرك بالتوحيد، والجهل بالعلم، والتدابر بالتناصر، والفرقة بالوحدة، والعداوة بالأخوَّة، وصرنا كما قال أحد الأدباء الظرفاء “مَضْحَكْخَانَه”.. بعد ما كنا “إذا بلغ الفطامَ لنا صَبِيٌّ تَخِرُّ له الجبابِرُ ساجدينا”..

هذه المخازي التي يرتكبها أكثر المسلمين، وتضيق بها صدور أشرافهم وسُرَاتهم هي التي حَيَّرَتْ عقل الأستاذ الفاضل أسامة وحيد، وآلمت نفسه الحساسة، وشعوره النبيل وهو “يشهد مصرع أمته”، بفعل سفهائها من علماء، وحكام، وأغنياء، ونخب في جميع الميادين، ولم يجد إلا أن يعكس مقولة جعفر بن أبي طالب أمام ملك الحبشة، فقال: “عُدْنا قوما أهل جاهلية”. (أسامة وحيد: شاهدٌ على مصرع أمة، ص239).. ويا ليت لنا بعض أخلاق بعض الجاهليين مثل عنترة بن شداد القائل:

وأغُضُّ طَرْفي إنْ بَدَتْ لي جارتي

حتى يواري جارتي مأواها


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة