فضاءات بشار

بشار

فضاء الثقافة والمواضيع العامة

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1342.26
إعلانات


جزاء سنمار--ل-الكاتب / للكاتب عمار يزلي-

في مثل هذا اليوم، السابع من مايو 1945، أعلِن عن نهاية الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء على ألمانيا النازية وسقوط برلين على يد الروس الذين كانوا أكبر من تكبَّد الخسائر في هذه الحرب المدمِّرة بنحو 26.5 مليون قتيل منهم نحو 7.5 مليون عسكري روسي، بنسبة تقدر بنحو 60% من تعداد عساكرها المقدَّرين بنحو 12.5 مليون.

من جهتها، خسرت فرنسا نحو 211 ألف عسكري من أصل نصف مليون مجنَّد، منهم نحو 150 ألف مجنَّد جزائري، 26 ألفا منهم لم يعودوا.

مع ذلك، وفي اليوم الموالي، أي اليوم الثامن من ماي، عندما كان الفرنسيون يحتفلون بتحرُّرهم من الاحتلال النازي، وعندما كان الروس يرفعون راية المجد في يوم النصر على النازية في التاسع أفريل، كان الجزائريون على موعد من الفرح ببزوغ فجر جديد عليهم لرؤية بلادهم ترى النور.. نور الحرية والاستقلال أخيرا.. فخرجوا، في غمرة الفرح العالمي والفرنسي بالأساس، رافعين شعارات الحرية، فكان جزاؤهم.. “سنمار”: 45 ألف شهيد آخر يسقطون قرابين على مذبح فرنسا المنتصرة بفضل تضحيات هؤلاء الجزائريين وبفضل السد الأحمر السوفيتي، على بساط الثلج الأبيض الروسية.. وبقية الحلفاء على خط التماس المباشر مع ألمانيا.

هكذا يُقلب التاريخ عندما يكتبه الاحتلال، وهكذا تتحوّل الرواية الرسمية والسردية التاريخية للمنتصر إلى حقيقة لدفن الحقائق الميتة لدى الطرف الآخر: يصبح الجزائريون هدفا لجنودها، وهي التي تودَّدت لخيرة الشباب الجزائري للتطوُّع في جيشها من أجل تحريرها من النازية مقابل منحهم حقوقهم بعد الانتصار ومجازاتهم ومكافأتهم على هذا الإنجاز المأمول، تماما كما فعلت بأشياعهم من قبل، يوم منّت على الجزائريين بالمنِّ والسلوى، وجنَّدتهم بالقوة والأذى، ورصّتهم في صفوفها لقتال إخوتهم المسلمين الأتراك في المحور التركي الألماني، فكانت المثل “أخلف من عرقوب”.

حدث هذا ومازالت دماء الجزائريين قيد التأريخ والاعتراف في انتظار حقٍّ لا يسقط بالتقادم. حدث هذا، كما يحدث اليوم والعالم يطرق أبوابه وكله خوف من مستقبل بات غير آمن وسط قراع الأسلحة وعراك العقوبات ولغط الساسة ونفخ الإعلام على النار بعد ما سارع إلى ارتداء اللبوس العسكري، مخالفا قواعد “اللعبة المهنية”، ليتحوَّل إلى سلاح ودعاية وقرصنة ومنع الرأي المخالف والمضادّ مع المصادرة والحجر والحجز والتضييق والخنق..

حدث هذا أيضا مع التأريخ الثاني للحرب العالمية الثانية عندما يشير بعض الخبراء الأكثر موضوعية إلى أن روسيا كانت المنتصر الأكبر على النازية، عسكرية وميدانيا، وأن الولايات المتحدة ربحت الحرب العالمية إعلاميًّا عبر تخليد ذكرى الإنزال في النورمندي وعبر السينما وأفلام هوليوود.

إنها مرحلة الحروب الهجينة التي تنكفئ فيها كل المعايير المهنية والأخلاقية ويصبح الفوز فيها بأي ثمن هو الغاية، وتصبح كل الوسائل المستعلمة للوصول إلى هذه الغاية مبرّرا مشروعا، بعد ما كان قبل ذلك، ممنوعا ومعيبا ومشينا.

نحن نعيش اليوم حروبا من نوع آخر، متداخلة ومتشابكة إلى درجة أنك لا تعرف الغث من السمين، حتى ولو كنت تعلم يقينا، فلا قوة لك على التحري والمعرفة إلا قليلا.. وهذا كله في حضور هيمنة الإعلام الحديث الغربي والأمريكي بالأساس.. من وسائل دعاية التواصل الاجتماعي التي أنتجتها شركات وادي السيلكون، إلى أقنعة تريد أن تبني قلعة وإمبراطورية إعلامية للإمساك بعقول المشاهدين عبر الصورة والنص وتحوُّل المتلقي إلى مجرد “متلصِّص”، مشاهِد للصورة، مقتن لها غير فاعل حتى ولو كان متفاعلا افتراضيا، والهدف هو المال والربح سواء كان عبر تجارة الأسلحة أو المضامين النصية السردية أو الصورية ومنها غير الأخلاقية والمجونية تلك.

نحن أمام جيل من الحروب قد تكون آخر الأجيال


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة