فضاءات بشار

بشار

فضاء الثقافة والمواضيع العامة

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1260.04
إعلانات


يقتلون الذين يأمرون بالقسط من النّاس!

يقتلون الذين يأمرون بالقسط من النّاس!

سلطان بركاني

2021/09/15

معلوم في قواعد الشّرع أنّ أئمّة المساجد، هم في سريان الأحكام الشّرعية، كغيرهم من المسلمين، دماؤهم وأعراضهم وأموالهم كدماء وأعراض وأموال غيرهم، لكنّ مكانة الأئمّة الاعتبارية يفترض أن تكون حاضرة في كلّ قضية تتعلّق بفرسان المنابر، لأنّهم إذا كرّموا فإنّما يكرّمون لرسالتهم التي يحملون، وإذا أسيء إليهم فالغالب أنّ الإساءة متوجّهة إلى مكانتهم لا إلى أشخاصهم، خاصّة في هذه السّنوات الخدّاعات التي سطت فيها العلمانية على جلّ مواقع التأثير وسعت حثيثا لتشويه مقام الإمامة وقطع صلة الأمّة بأئمتها وعلمائها.

كانت الأمّة في عقود مضت ترى في توقير الأئمّة واحترامهم عملا صالحا ينمّ عن تعظيم القرآن الذي حوته صدورهم والعلم الذي وعته عقولهم، ومهما اكتنف هذا التوقيرَ بعضُ الغلوّ في بعض الأحيان، إلا أنّه ظلّ منقبة لا يشكّك فيها أحد، قبل أن تنتشر وسائل الإعلام وتتمكّن العلمانية من امتطاء صهوتها والأخذ بزمامها، لتصنع للأمّة رموزا وقدوات أخرى غير الأئمّة والعلماء الذين كانوا محلا لإزراء وازدراء كثير من وسائل الإعلام، وزاد الطّين بلّة شيوع ثقافة التعميم ولهث كثير من النّاس خلف الإثارة التي تحترفها كثير من المنابر الإعلامية!

في سنوات مضت، كان العامّة والخاصّة يحترمون الإمام ويوقّرونه ويستحيون منه، ولم يكن يفكّر في أذيته أحد، حتّى قطّاع الطّرق والسّكارى واللّصوص ما كان أحد منهم يخطر له على بال أن يلحق الأذى بإمام من الأئمّة أو يتطاول عليه بكلمة، لكنّ الحال بدأ يتغيّر في السّنوات الأخيرة، أين شهدت الأمّة جرأة غير مسبوقة على الأئمّة، لم تقتصر على بعض وسائل الإعلام الموجّهة، بل قد وصلت إلى المساجد أين أوذي الأئمّة وتطاول عليهم المتطاولون وضُربوا وذبح بعضهم ذبح النّعاج!

سوء الظنّ بالإمام أسرع من غيره، والإشاعات في حقّ الأئمّة أكثر وأسرع انتشارا بين النّاس من الإشاعات في حقّ غيرهم، فكم من إمام حيكت له المؤامرات، وبهته قوم اجتمع في قلوبهم ضعف الوازع الدّينيّ مع اللّهث خلف المآرب الدنيوية، وحَقَد عليه من قال الله في حقّ أمثالهم: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُون))!

كان مفترضا في وسائل الإعلام أن تتجنّد لتُولي جرائم أذية الأئمّة وضربهم وقتلهم حقّها من الشّجب والاستنكار والمتابعة، لكنّ الواقع أنّ الحديث عن هذه الجرائم ما أن يبدأ حتّى يطوى سريعا، لتُنسب الجريمة إلى فاعل مختلّ عقليا أو مريض نفسيا، بل ربّما يقال عن الإمام نفسه إنّه يعاني اضطرابات نفسية ومشاكل عائلية، تلميحا لفرضية الانتحار!

قتل أئمّة المساجد ذبحا وحرقا، مصيبة كفيلة بحلول النقم، كيف إذا استهانت الأمّة بهذه الجريمة، واستهانت بها الجهات المسؤولة، وتعاملت معها وسائل الإعلام كخبر عابر يأخذ حيزا ضيقا في قائمة الأخبار التي تتوسّع في كثير من الأحيان لتشمل الحياة الخاصّة للاعبين والفنانين! كأنّ أرواح الأئمّة رخيصة وعروقهم تجري ماءً بدل الدّم.. مع أنّ الإمام لا يمثّل نفسه، إنّما يمثّل مشروع إعادة الأمّة إلى دينها، مشروع تحكيم شرع الله في الأنفس والأموال والأولاد، في البيوت وفي المؤسّسات، الإمام يمثّل كتاب الله ودستور الأمّة الذي يحمله في صدره، ويمثّل المنبر الذي يرتقيه ليجلس النّاس كلّهم أمامه على اختلاف مستوياتهم ومناصبهم، منصتين لما يقول.

حرقُ الإمام ليس حرقا لشخص يمثّل خاصّة نفسه، إنّما هو محاولة لحرق الرسالة التي يحملها، وليس يصحّ ولا يليق أن تمرّ حادثة ذبح إمام وحرق آخر مرور الكرام، فالأئمّة ليسوا أقلّ شأنا من عامّة النّاس الذين تُوجّه وسائل الإعلام للحديث عن مقتلهم ساعات مديدة وأياما عديدة.. العقوبة الشّرعية لمن يقتل إماما هي ذات العقوبة المترتّبة على قتل أيّ مسلم آخر، لكنّ الإثم الذي يلحق قاتل الإمام لمكانته والعقوبة التي تنتظره في الآخرة أشدّ وأنكى من عقوبة غيره، يقول الله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم))، لذلك ينبغي للأمّة أن تستعظم جرائم قتل الأئمّة الآمرين بالقسط وينبغي أن يشاع إنكارها ويطالب بوضع حدّ لهذه الظّاهرة المروّعة.

الجهات المسؤولة ينبغي أن تسارع إلى إصدار قوانين صارمة تحفظ مكانة الأئمّة، وتغلّظ العقوبة لكلّ من يحاول إهانتهم أو إيذاءهم، وإذا كان “المسؤول” تغلّظ عقوبة المساس به لأنّه يمثّل هيبة الدّولة، فإنّ الإمام يمثّل هيبة الدّين، وينبغي أن تغلّظ العقوبة لمن يروم جنابه.

الإمام صاحب رسالة، ولعلّه في أغلب الأحيان يجنح إلى العفو والصّفح، وهو أولى النّاس بذلك، لكن ينبغي أن يكون هناك حق عام، هو هيبة مقام الإمامة، لا ينبغي التّسامح فيه، وينبغي أن يعاقب كلّ من يحوم حوله ويقترب منه.


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة