فضاءات بشار

بشار

فضاء الثقافة والمواضيع العامة

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1207.46
إعلانات


الصــــوم والإخـــــلاص

الصــــوم والإخـــــلاص

المحرر الخميس 17 رمضان 1442? 29-4-2021م

أخبرنا الصادق المصدُوق صلى الله عليه وسلم عن فضيلةِ الصومِ وأجرِهِ الجزيلِ في العديد من الأحاديث النبوية المشرَّفة، منها هذا الحديث الجليل الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ عملِ ابنِ آدم يُضَاعَفُ، الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنَّه لِي، وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوتَه وطعامَه من أجلِي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخُلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك». أخرجه مالك في الموطأ والشيخان، واللفظ لمسلم.

يا تُرى ما سِرُّ تَمَيُّزِ عبادةِ الصيامِ عن غيرها من العبادات حتَّى تُخَصَّ بهذا الأجر المفتوح من رب العالمين، أليست الصلاة أشد، لأنها في كل السنة، وخمسة أوقات في اليوم، وفي ساعات قد يخلد الناس فيها إلى الراحة كوقت العشاء والفجر، وفي أوقات قد يكون مزحوما بالأشغال، أليست الصدقة والزكاة أشد، لما فيها من حبِّ المال والتعلقِ به، أليس الحج أشد، لما فيه من فراق الأهل والغربة وتحمل المناسك ونفقاتها، أليس الجهاد أشد، لما فيه من إزهاقِ النفس، والجودِ بأعز ما يملكه الإنسان وهي روحه، وعطبِ الأعضاء وتشويهها؟
إنَّ السِّرَّ هو في الإخلاص. فقد يُفْطِرُ الإنسانُ خُفْيةً عن أعين الناس، فقد يَطْعَمُ لُقمةً أو يحتسي شَربةً، ويتظاهر أمام الناس أنه صائم يُعَانِي مشقاته، فلا يعلم حقيقة الصائمِ إلا الله جل جلاله.
فالذي يترك شهواته ويذر ملذاته سرا وعلانية لا يفعل ذلك إلا استجابة للخالق جل جلاله الذي أمره بذلك، وهذا جوهر العبادة، أن يقوم بها الإنسان لله ولله وحده.
ولا يخفى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». أخرجه الشيخان.
فالصيام من التشريعات التي تربي المؤمنين على الإخلاص وتغرس في أفئدتهم هذا السر بينهم وبين خالقهم.
فلا غرابة أن يحثنا الشرع على إخفاء الأعمال، قال تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271].
وقال صلى الله عليه وسلم: «سَبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»..وذكر منهم: «ورجلٌ تَصَدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفقُ يمينُه». أخرجه الشيخان.
فهل من العيب في إظهار الأعمال بغير حاجة؟
في الحقيقة العملُ لله جل جلاله بمثابة البيع، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} [التوبة: 111]. فمن المعيب أن يُشَهِّر الإنسانُ بشيء كان له وقد باعه.
بل هناك مخاطر عظيمة عند فقد الإخلاص في الأعمال، أعني خطر الرياء. وهو من المهلكات.
منها عدم قبول العمل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أَغْنَى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ». أخرجه مسلم.
وروى الترمذي وابن ماجه وغيرهما: عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري رضي الله عنه: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا جمع اللهُ الناسَ يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نَادَى مُنَادٍ «من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك»».
قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى: «إن الله قد يقبل نصف الجهد، لكنه لا يقبل نصف النية».
ومنها فضح الله له: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُسَمِّع يُسَمِّع اللهُ به، ومَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ به». أخرجه الشيخان.
ومنها العقوبة في النار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد، فأُتِيَ به، فعَرَّفَهُ نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فيكَ حتى استشهدتُ، قال: كَذَبْتَ، ولكنكَ قَاتَلْتَ لأن يُقال جَرِيْءٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تَعَلَّمَ العلمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأَ القرآنَ، فأتي به، فعَرَّفَهُ نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تَعَلَّمْتُ العلمَ وعَلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فيكَ القرآنَ، قال: كَذَبْتَ، ولكنكَ تَعَلَّمْتَ العلمَ ليُقَالَ عالمٌ، وقَرَأْتَ القرآنَ ليُقَالَ هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وَسَّعَ اللهُ عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأتى به فعَرَّفَهُ نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تُحِبُّ أن يُنفق فيها إلا أنفقتُ فيها لكَ، قال: كَذَبْتَ، ولكنكَ فَعَلْتَ ليُقَالَ هو جَوَادٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» أخرجه مسلم.
أما فوائد الإخلاص فهي كثيرة: منها قبول الأعمال والرِّفعة والدرجات. قال صلى الله عليه وسلم: «.. إنك لن تُخَلَّفَ فتعملَ عملاً تبتغي به وجه الله، إلا زدتَ به درجةً ورِفْعة..». أخرجه مالك في الموطأ والشيخان.
ومنها فرج الله تعالى على العبد في كُرَبِهِ. قال صلى الله عليه وسَلم: «انطلق ثلاثةُ نَفَرٍ ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرتْ صخرةٌ من الجبل، فسَدَّتْ عليهم الغارَ، فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكُنتُ لا أَغْبُقُ قبلَهما أهلا ولا مالا، فنَأَى بي طلبُ الشجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهتُ أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففَرِّجْ عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، قال الآخر: اللهم كان لي ابنة عم، كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها عن نفسها، فامتنعتْ مني، حتى أَلَمَّتْ بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلتْ، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتَّقِ الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفتُ عنها وهي أحب الناس إليَّ، وتَرَكْتُ الذهبَ الذي أعطيتُها، اللهم إن كُنتُ فَعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، وقال الثالث: اللهم استأجرتُ أُجَرَاءَ، وأعطيتُهم أجرَهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهبَ، فثَمَّرْتُ أجرَه، حتى كَثُرَتْ منه الأموالُ، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أَدِّ إليَّ أجري، فقلتُ: كُلُّ ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي! فقلتُ: لا أستهزئ بكَ، فأَخَذَهُ كلَّه، فاستاقه فلم يَتركْ منه شيئا، اللهم إنْ كُنْتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ، فخرجوا يمشون». أخرجه الشيخان.
ويكفي في ثمار الإخلاص أنه تَنَاغُمٌ فطريٌّ بين تصرفات الإنسانِ ومقاصدِه وبين عقيدته في الربِّ الذي هو خالقه ومالكه وله كلُّ الفضلِ عليه وإليه المصير.
إخواني أخواتي هذا هو رمضان، وهذا هو الصوم، دَورةٌ تَربويةٌ في غرسِ الإخلاص، وتنميتِه، وهو مدرسةٌ في ربط الخلق بالخالق وحده، وتعليق للقلوب بربها وحده، وتعميق للشعور بالرقابة الإلهية، وهذا هو أعلى مقام يصبو إليه المؤمنون، وهذه أسمى درجة يرجوها المخلصون، مقام الإحسان..«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
وتأمل هذه الواقعة العجيبة التي تجلي اهتمام الصالحين بنظرة ربهم إليهم. في غزوة الأحد قبل نشوب المعركة قال عبدُ الله بنُ جحش لسعد بنِ أبي وقاص: أَلَا تأتي ندعو الله، فخلوا في ناحية، فدعا سعد، فقال: يا رب إذا لقينا القومَ غدا فلَقِّنِي رجلا شديدا بأسُهُ، شديدا حَرَدُهُ، فأقاتله فيكَ ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظَّفَرَ، حتى أقتلَه وآخذَ سَلَبَهُ، فقام عبدُ الله بنُ جحش ثم قال: اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا حَرَدُهُ، شديدا بأسُهُ، أقاتله فيكَ ويقاتلني، ثم يأخذني فيَجْدَعَ أنفِي وأذنِي، فإذا لَقِيتُكَ غدا قُلْتَ: يا عبدَ الله فِيْمَ جُدِعَ أنفُكَ وأذنُكَ، فأقول: فيكَ وفي رسولكِ، فيقول: صَدَقْتَ. قال سعد: كانت دعوةُ عبدِ الله بن جحش خيرا من دَعوتي، لقد رأيتُهُ آخر النهار وإن أذنَه وأنفَه لَمُعَلَّقَانِ في خَيْطٍ. أخرجه الطبراني والبيهقي في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك: وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
فانظرْ إلى هذا الصحابي الجليل لم يَهُمَّهُ أن يموت تلك الميتة المشَوَّهَة، وإنما انصبَّ تفكرُهُ في وجاهتِه عند ربه يوم القيامة حتى بذلك المظهر الْمُمَثَّلَ به.
أسال الله تعالى أن يَمُنَّ علينا بالإخلاص له في كل تحركاتنا وسكناتنا. فاللهم إني أعوذُ بك أن أُشْرِكَ بكَ وأنا أعلم، وأستغفركَ لِما لا أعلم.


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة