فضاءات بشار

بشار

فضاء الثقافة والمواضيع العامة

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
ابو زكرياء ابراهيم
مسجــل منــــذ: 2010-10-15
مجموع النقط: 1090.97
إعلانات


د. يوسف جمعة سلامة* / كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

المحرر الأثنين 16 ربيع الأول 1442? 2-11-2020م

د. يوسف جمعة سلامة* /

يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.
جاء في كتاب صفوة التفاسير للصابوني في تفسير الآيتين السابقتين: [{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي لقد جاءكم أيها القوم رسول عظيم القدر، من جنسكم عربي قرشي، يُبلغكم رسالة الله {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يشقّ عليه عنتكم وهو المشقة ولقاء المكروه {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} أي حريص على هدايتكم {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} أي رءوف بالمؤمنين رحيم بالمذنبين، شديد الشفقة والرحمة عليهم، قال ابن عباس: سمّاه باسمين من أسمائه {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ} أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك يا محمد فقل يكفيني ربي {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود سواه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي عليه اعتمدت فلا أرجو ولا أخاف أحداً غيره {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} أي هو سبحانه ربّ العرش المحيط بكل شيء، لكونه أعظم الأشياء؛ الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى].
إلا رســـول الله صلى الله عليه وسلم
لقد تابع العالم كلّه في الأيام الماضية تلك الحملات المتلاحقة التي تهدف إلى الإساءة للإسلام ونبيّه الكريم – صلّى الله عليه وسلّم -، وذلك من خلالِ قيامِ المجلة الفرنسية الساقطة (شارلي إيبدو) بإعادة نشر الرسوم المُسيئة للرسول –صلّى الله عليه وسلّم- التي سبق أن نشرتها سنة 2015م، وَتَطَاوُلِ الحاقدين على القرآن الكريم بحرق نسخة منه خلال تظاهرة في السويد، وكذلك تصريحات الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) ضِدَّ الإسلام والرسول – صلّى الله عليه وسلّم-، بكثيرٍ من الوقاحة والغُرور، فهذه الأعمال الإجرامية ليست من حرية الرأي والتعبير في شيء، وإنما هي محضُ تعصّب مَقيت، وهي مخالفة لكل الشرائع السماوية والمواثيق والأعراف الدولية، لِمَا فيها من إساءة لديننا الإسلامي الحنيف ونبينا الكريم –صلّى الله عليه وسلّم- الذي جاء رحمة للعالمين.
وهذه ليست أوّل مرة يُنَال فيها من ديننا الإسلامي الحنيف، أو يُسَاء فيها إلى رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم-، فقد صدر مثل ذلك من مستشرقين وصحفيين وفنانين وغيرهم كثيرين، ولكنْ في هذه المرَّة جاءت الإساءة من قادة سياسيين، حيث تَبَنَّى الرئيس الفرنسي (ماكرون) الرسوم المسيئة للرسول – صلّى الله عليه وسلّم – وَنَشرها في الميادين العامة وعلى بعض المباني بفرنسا، ويأتي هذا الموقف من الرئيس الفرنسي بعد تصريحاته غير المسؤولة المُسيئة للإسلام والتي قال فيها: (إنّ الإسلام يعيش اليوم أزمة عميقة في كلّ مكان بالعالم).
وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَه
لقد ظنّ الحاقدون على الإسلام وعلى رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- أَنَّ أعمالهم الإجرامية من رسوم وإساءات وغيرها سَتُشَوِّهُ صورته، وأنّ ذلك سَيُطفئ نوره، ويمنع ظهوره: {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}، ونسوا أنّ الإسلام لن ينتهي من هذه الدنيا؛ لأنه يوم أن ينتهي الإسلام من هذه الدنيا فلن تكون هناك دنيا؛ لأنّ الشمس ستنطفئ والنجوم ستنكدر والحصاد الأخير سيطوي العالم أجمع.
ومن فضل الله سبحانه وتعالى أنّ الناس في كل يوم يدخلون في دين الله أفواجا، كما أنّ عشرات الآلاف يعتنقون هذا الدين سنوياً في أوروبا بفضل الله سبحانه وتعالى، وهذا ما أكّده المُفَكّر الإنجليزي (برنارد شو) عندما قال: (لوْ حَكَمَ هذا العالم رجلٌ كمحمد لقدّم له الحلول لمشكلاته، بل لَفَتَحَ كلّ مُستغلق من شؤونه وفي وقت قريب)، وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ العالم قَدْ يَئِسَ من جميع الأيدلوجيات الاشتراكية والرأسمالية، وما عليه إلا أنْ يدرسَ هذا الدين ويؤمن برسالة سيدنا محمد–صلّى الله عليه وسلّم – وَيُطَبّق مبادئ الإسلام، لتعيش البشرية حياة آمنة مطمئنة إن شاء الله .
وجوب السَّير على هَديه
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: (وقد ذُكرت طاعة الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- في أكثر من ثلاثين موضعاً من القرآن، منها قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ»، وقوله عز ّوجلّ: «فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا»، وقال- صلّى الله عليه وسلّم-: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، فقد بيّن الله في كتابه حقوق الرسول – صلّى الله عليه وسلّم- من الطاعة له، ومحبته، وتعزيره، وتوقيره، ونصره، وتحكيمه، والرضى بِحُكْمِه، والتسليم له، واتباعه والصلاة والتسليم عليه، وتقديمه على النفس والأهل والمال، وردّ ما يُتنازع فيه إليه، وغير ذلك من الحقوق، وأخبر أن طاعته طاعته فقال: «مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ»، ومبايعته مبايعته، فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ»، وقرن بَيْنَ اسمه واسمه في المحبّة فقال: «أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ»، وفي الأذى فقال: «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «، وفي الطاعة والمعصية فقال: « وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ»، «وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ»، وفي الرِّضا فقال: «وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ «، فهذا ونحوه هو الذي يستحقه رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- بأبي هو وأمي).
وجوب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم
من الآيات الدالة على وجوب محبة الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رحيمٌ }، يقول العلامة ابن كثير –رحمه الله -: [هذه الآية الكريمة حاكمة على كلّ من ادعى محبَّة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يَتَّبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم-، أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، ولهذا قال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من مَحَبَّتِكم إياه وهو مَحَبَّته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ، وقال الحسن البصري وغيره من السَّلفّ: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبعُونِي يُحْببْكُمُ اللّهُ}]، ومن المعلوم أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – جعل محبة الله ورسوله هي أصل الإيمان، كما جاء في الحديث الشريف: (ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ).
واجب الأمة نحو السُّنّة النبوية
إِنَّ مكانة النبي – صلّى الله عليه وسلّم – في نفوس المسلمين أعظم مِمَّا يتصوّر الحاقدون، والمَسَاس بها أخطر ممّا يقُدّرون، فالأمة الإسلامية تُحبّ الرسول- صلّى الله عليه وسلّم -، ومن مُقْتضيات محبته -صلّى الله عليه وسلّم-، الدفاع عنه والذبّ عن سُنَّته وهديه، والتّصدّي لِلْمُغْرضين والحاقدين الذين يعملون على النَّيْلِ من قَدْرِه، والتشكيك في منهاجه وسبيله،كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}، وهؤلاء المجرمون لا يقتصر وجودهم على حياته- عليه الصلاة والسلام-، بل يتكاثرون بعد مماته.
لذلك فإِنّ الواجب علينا ضرورة التَّمَسُّك بِسُنَّة الرسول – صلّى الله عليه وسلّم– قولاً وعملاً، وكذلك نُصرته -عليه الصلاة والسلام- بكلّ الوسائل، وتعريف الآخرين بسيرته – صلّى الله عليه وسلّم-، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة، كما يجب على أبناء الأمة من علماء ومفكرين بذل كلّ ما في وُسْعِهم من أجل تربية النفوس وبناء العقول وإصلاح القلوب، اقتداءً بالرسول محمد – صلّى الله عليه وسلّم -، وذلك من خلال: إعداد جيل ناشئ على حُبِّ النبي – صلّى الله عليه وسلّم – وإحياء سُنَّته وربط الشباب بها، وتشجيعهم على العناية بها وحفظها وتطبيقها، وإنشاء مواقع مُتَخصصة في السُّنّة النبوية الشريفة على الشَّبكة العنكبوتية بعدة لغات، و إقامة المسابقات في حفظ الأحاديث النبوية، وإعادة نشر المؤلفات المَعْنِيّة بالسُّنّة النبوية وسيرة النبي– صلّى الله عليه وسلّم- ليقتدي بها شباب الأمة الإسلامية.
وصلى الله علي سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة