فضاءات الجديدة (البلدية)

الجديدة (البلدية)

فضاء الموروث الثقافي الشعبي

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـجماعة
المصطفى بنوقاص
مسجــل منــــذ: 2012-08-02
مجموع النقط: 1534.38
إعلانات


"زنقة سِيدْ البطّاش" أضيق وأصغر زقاق بالجديدة

خالد الخضري

1 – زقاق لا يسمح بمرور شخصين !

وأنا أحتسي قهوتي الصباحية بشاطئ البريجة رفقة ابن بلدتي الأخ عبد النبي جمهور، وبحكم معرفته باهتمامي بمعالم الجديدة الأثرية، العمرانية والبشرية كما البحث والتنقيب عليها للتعريف بها، دلني على أصغر وأضيق زقاق فيها. فلم أتوان دقيقة واحدة حتى طرت باحثا لأكتشف فعلا هذا الزقاق المتفرد والغريب إلى حد ما، والذي يوجد بالحي البرتغالي (الملّاح).. بالضبط في مدخله على اليمين حين تعبر الباب مخترقا شارع الهاشمي باحباح.. حيث لا تقطع سوى حوالي 40 مترا إلى أن تتجاوز ثاني "بازار" لبيع المواد والأدوات التقليدية، فتنعطف على يمينك في الزقاق رقم 14.. تتمشى فيه حتى متمه - حوالي 15 مترا – لتلج مباشرة هذا الزقاق العجيب على يسارك بطول 12 مترا وبعض السنتيمترات. أما عرضه فيبدأ في مقدمته بمتر ليضيق في الوسط بين 60 و 70 سنتمتر. وينتهي بها في الزقاق رقم 11. وبالتالي لا يمكن أن يمر منه إتنان واحدا جنب الآخر دفعة واحدة نظرا لضيقه !! وإذا صادف أن ولجه شخصان من الجهتين المتقابلتين، ما على أحدهما إلا أن يتراجع حتى يعبر الآخر. أما الحائطان اللذان يؤطران هذا الزقاق فمرتفعان فيما لا يقل عن 20 مترا علوا ! مما يجعل الزقاق بكامله يبدو وكأنه ممر سري أو دهليز في معبد أو هرم فرعوني.

هذا الزقاق الغائر يفضي إلى الآخر الحامل لرقم 11 لصق ضريح الولي الصالح "سيدْ البطّاش".. و معروف ب "زنقة سِيدْ البطاش" الذي أجمع معظم من سألت من سكان الحومة عنه، أن ضريحه الصغير المطلي بلون برتقالي مخضب بلطخات من القطران الكالح، وله باب من الصفيح الأسود، يُفتح مرة واحدة كل عام، ليلة 19 من كل رمضاء لتقام فيه وفي جنبات الأذكار ويرتل القرآن الكريم، نظرا لصغر حجمه (متران مربعة).. "كيخَرْجوا فيه السلكة " قالت امرأة. ويقوم الجيران بتموين "الطُّلبة" والمادحين كما الزوار بصحون وقصعات الكسكس طيلة الليل، حيث يستمر الذكر والتراتيل والأمداح حتى فجر اليوم التالي.

حكت امرأة مسنة عن سِيدْ البطّاش أنه كان فقيها يُعلِّم الصبية القرآن الكريم في حانوته الصغير هذا حيث كان يقيم - والذي سيتحول إلى ضريح له فيما بعد - إذ كان الرجل ورعا، تقِيا.. تنبأ بيوم وفاته مخبرا سكان الحومة بذلك، طالبا منهم في نفس الوقت أن يدفنوه في "المسيد" أو "الجّامع" الذي يُدرِّس، يتعبد ويعيش فيه. وفعلا في اليوم المعلوم يُحكى أنه اغتسل وتوضأ وعاد لدكانه ليصلي ويموت في اليوم 19 من شهر رمضان!.. الشيء الذي جعل مكانته تسمو لدى سكان الحي البرتغالي برمته فبادروا بدفنه في نفس المكان. واستمروا يخلدون ذكراه ويترحمون عليه بالطقوس التي ذكرت في ليلة هذا اليوم من شهر رمضان عاما بعد عام.. وجيلا بعد جيل.

2 – فقيه مُعلِّم ومجاهد !

يؤكد هذه المعلومة السيد عبد الكريم البركاوي - المكلف بالضريح نقلا عن والده وجده - مضيفا أن حرفة تدريس القرآن في ذلك المسيد / الضريح حاليا، كانت فقط ذريعة أو حيلة يتخفى بها الولي "سيدي امحمد البطاش بوشاقور" اتجاه البرتغاليين حيث إن الرجل كان مقاوما يهاجم هؤلاء من حين لآخر بساطوره ثم يسرع للاختباء في دكانه متابعا عمله كمدرس للقرآن الكريم للصبية قصد التمويه على أعدائه.

بعد جهد جهيد تمكنا من فتح الضريح نظرا لالتصاق مزلاج الباب الحديدي بالقطران لنكتشف حين دخولنا – أنا والسيد عبد الكريم – أكواما من الشمع والقطع النقدية وبعض حبات الثمر التي يرمي بها المريدون والمعتقدون ببركات الأولياء من ثقب بالباب ومن شباك جانبي صغير. كان الجو قاتما وباردا في الداخل مما اضطرني لإنارة بعض الشموع لرؤية المقام والتقاط صور. هناك فقط قبر الرجل المغلف بزليج أبيض وموشاة بقية جدرانه بآخر مزخرف بالأزرق.. فوقه قماش أخضر من الحرير مطوي لاشك أنه غطاء للقبر الذي تعلوه لوحة باهتة لسورة "الفلق".. سجاد كبير وحصير بحجم الضريح مطويان ومركونان عند رأس اللحد.. ثم قطع نقدية.. وشموع مرمية، كثيرا منها بهت لونه الأصلي والباقي التصق ببعضه البعض أو بالأرض بفعل القطران؟ !! شيء يدعو حقا للأسى، للحيرة ويطرح السؤال أو الأسئلة: ما علاقة القطران بهذا الفقيه الذي حكت امرأة أنه أصلا كان يكره هذه المادة !!؟ وماذا يمثل القطران في المعتقد الشعبي في علاقته بأولياء الله والأضرحة ؟؟ وبخصوص رمي الشموع من ثقب الباب، حدث أن رمى أحدهم بشمعة مشتعلة فانتشرت النار في كل ما هو قابل للاحتراق (قماش، سجاد، حصير...) لتأـتي على الباب الخشبي السابق وكادت تصل للدور المجاورة. مما اضطر المسؤول عن الضريح إلى تغييره بالباب الحديدي الحالي وتسليم مفتاح مزلاجه للسيدة عائشة الملاصق بيتها للضريح تحسبا لكل ما من شأنه...

في انتظار الجواب أو الأجوبة عن هذه الأسئلة، تبقى البريجة / الجديدة زاخرة بالعديد من مفاجأتها، معالمها الأثرية.. الفنية.. البشريــة.. والعمرانية التي تكشف عن نفسها من حين لآخر.. ومنها هذا الزقاق الغريب الذي لا يمكنك أن تتأبط فيه ذراع صديق أو صديقة.. ولا أن تفرد فيه ولا حتى ذراعا واحدة.. أو تعبره إلا مفردا ليس معك سوى فضولك.. حبك لمدينتك.. وبركات "سيدي امحمد البطاش بوشاقور".


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة