فضاءات العمارية الشرقية

العمارية الشرقية

فضاء القرآن الكريم والسنة النبوية

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدة
ممدوح على حسنين على حسين على مكايد
مسجــل منــــذ: 2018-05-05
مجموع النقط: 553.12
إعلانات


فيروس كورونا ????العقوبة... فبما كسبت أيديكم

عناصر الخطبة:
فيروس كورونا ????العقوبة... فبما كسبت أيديكم

العقوبة... فبما كسبت أيديكم

عناصر الخطبة:
1/الله -تعالى- هو العدل 2/أسباب حلول العقوبات وأنواعها 3/النظرة الصحيحة للعقوبة

الخطبة الأولى: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أما بعد: أيها المسلمون: إن الله -تعالى- أمر عباده بأوامر أوجب عليهم فعلها، ونهاهم عن مناهٍ كلفهم بتركها، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل:90]، ووعدهم-سبحانه- بأن فعل ما أمر وترك ما نهى عنه وزجر؛ فسيدخله الجنة، ومن خالفه في ذلك فسيعاقبه في النار وبئس القرار، قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)[المائدة:9]، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)[المائدة:10]؛ فكما أن الله -تعالى- كتب الجنة والفوز بها لأهل الإيمان بفضله؛ فقد كتب العقوبات العاجلة والآجلة على العصاة والكفار بعدله. أيها المؤمنون: إن من يتأمل في العقوبات التي تصيب الناس والآلام التي تحل بهم، لا يجد سوى أنهم أوجبوها على أنفسهم باقتراف المحرمات ومبارزة رب البريات بالذنوب والمعاصي، وصدق الله؛ حيث قال في كتابه العزيز: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ)[الشورى:30]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر المهاجرين: خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم -أعوذ بالله أن تدركوهن- لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم"(رواه البيهقي). وبهذا يتجلى أن ما يحصل في الحياة من مكروهات؛ فهو بسبب عمل السيئات، وما نزل بالإنسان من عقوبات، وحل في الأرض من مصيبات فطريقه ذنوب الإنسان وخطيئاته. والعقوبات -أيها الأحبة- منها ما هو قدري لا سلطان فيها لأحد من الخلق، بل تقع بقدر الله -تعالى-؛ كالأمراض والآلام والزلازل والفيضانات والفتن وغير ذلك، وذلك حينما يُعلن بالمعاصي وتكثر وتعطل الحدود وعقوبات الجرائم؛ فتنزل حينئذ تلك البلايا عقوبة عامة. والعقوبة القدرية تكون عامة وخاصة؛ فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أُعلنت ضرت الخاصة والعامة، وإذا رأي الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله -تعالى- بعقابه". فعن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: يا أيها الناس: إنكم تقرؤون هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[المائدة:105]، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده"(رواه أبو داود والترمذي). وعن ميمونة -رضي الله عنها- قالت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب"(رواه أحمد). ومن العقوبات ما هو شرعي: العقوبات الشرعية؛ فهي عقوبات خاصة حددتها الشريعة على بعض الذنوب الكبيرة؛ زجراً لأصحابها وتطهيراً للتائب منهم، وتحذيراً للناس لئلا يقعوا في مثل تلك الجرائم فيصيبهم ما أصاب أهلها. وقد جاءت الشريعة بقتل المرتد، ورجم الزاني المحصن، وجلد الزاني البكر، وجلد شارب الخمر، وجلد القاذف، وقطع يد السارق. نكالاً من الله، والله عزيز حكيم. نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا من أهل طاعته، ويباعد بيننا وبين معاصيه، وأن يحفظنا من كل سوء ومكروه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: عباد الله: إن الناظر إلى واقع الحياة بعاطفة مجردة عن الإيمان، فاقدة للفهم الصحيح، خالية من العلم بالله وبما شرع وقدَّر؛ قد يحتار حينما يرى الفريسة والمفترس، والظالم والمظلوم، والعقوبة والمعاقَب، والأمراض والمرضى؛ فيقول: كيف يكون هذا؟!! ولو نظر نظرة صحيحة قائمة على الإيمان بالله وحسن الظن به، نظرةً مشرقة بنور الإيمان والعلم الصحيح لتغيرت نظرته، وتبدلت فكرته، وعلم أن وراء ذلك عدلاً إلهيًا وحِكَمًا وغايات يحيط بها الحمد والمدح من كل جانب، ويشرق من نواحيها الخير العاجل أو الآجل. فتلك العقوبات هي فصل من فصول التأديب الإلهي؛ زجراً للعصاة عن الاستمرار في معاصيهم، وموعظة لغيرهم أن يسيروا على منوالهم؛ فالمرض بذنوب، والحروب بذنوب، والهموم بذنوب، والزلازل بذنوب أيضًا، عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)[النساء:123]، وكل شيء عملناه جُزينا به؟! فقال: "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تحزن، ألست يصيبك اللأواء؟" قال: فقلت: بلى، قال: "هو ما تجزون به"(رواه ابن حبان)؛ فلعل مصابًا بعقوبة، أو من تبلغه يرجع عن ذنبه، قال -تعالى-: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[الروم:41]. وتلك العقوبات -أيضًا-: تمحيص للمؤمنين، وتكفير لسيئاتهم، ورفع لدرجاتهم، وهي للكفرة والفجرة محق وإراحة من شرورهم. وبعض تلك العقوبات التي تؤدي إلى موت حبيب أو قريب، أو مظلوم أو بريء قانون من قوانين استمرار الحياة وتوازنها؛ إذ لو بقيت الحياة بدون ذلك لضاقت وتعقد العيش فيها، غير أن ميزان العدل الإلهي لن تفوته مظلمة، ولا مصيبة صبر صاحبها عليها، واحتسب عند الله أجرها. عباد الله: ما أحسنَ التسليم للقادر، والرضا بقضائه وحكمه، والاعتبار بما جرى من عقوباته وأقضيته بين عباده! وصلوا وسلموا على خير الأنبياء؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

ممدوح على حسنين على حسين على مكايد


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع

| ممدوح على حسنين على حسين على مكايد | العمارية الشرقية | 11/03/20 |

خطبة: وباء كورونا دروس ووقفات


عباد الله، عالم اليوم يمر بأزمات ومحن ومصائب كثيرة، لعل منها أزمة انتشار الأوبئة والأمراض والطواعين الفتاكة التي تفتك بالبشر، ولم تكن على سالف عهدهم، بل وتفتك بالحيوانات العجماوات التي يعتمد عليها الناس في طعامهم وشرابهم، فقد سمعنا بوباء جنون البقر، وحمى الوادي المتصدع، وإنفلونزا الطيور والخنازير، والآن وباء كورونا الذي ضرب في الصين أولًا، وبدأ ينتشر في أنحاء من العالم، وقد حار العلماء في معالجته وخلف عددًا كبيرًا من الوفيات وخسائر اقتصادية؛ ما جعل العالم يدق أجراس الخطر وتتوالى الجهود لمحاربته ووقف انتشاره، ناهيكم عن الرعب والخوف من نتائجه ومآلاته.

ونقف اليوم هذه الوقفات لنبين منهج الإسلام في معالجة الأوبئة، فإن الناس مع ضعف عقائدهم وقلة علمهم بالشرع، يتخبطون ويتعلقون بالأسباب المادية البحتة، وينسَون الأسباب الشرعية التي تحميهم من الوباء والبلاء.

عباد الله، إن الله تبارك وتعالى قد يبتلي العباد ويمتحنهم؛ ليعلموا فقرهم وحاجتهم إليه، وأنه لا غنى لهم عنه، رغم ما تقدموا فيه من العلم، ورغم ما وصلوا إليه من الطب، ورغم ما عندهم من المال، فإن ذلك كله يبقى حائلًا دون كشف الكربات وقضاء الحاجات، فلا يكشف الضر إلا الله، ولا يدفع البلاء إلا الله، ولا يشفي من المرض إلا الله القائل: ? وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ? [الأنعام: 17]، ? وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ? [الشعراء: 80]، ? أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ? [النمل: 62]، وقد عالج الإسلام موضوع الأوبئة، وذلك قبل وقوع الوباء، وبعد وقوعه وانتشاره؛ فقبل وقوع الوباء لا بد على المسلم أن يعلم أن القضاء قد يكون خيرًا، وقد يكون شرًّا، ومن أركان الإيمان الإيمانُ بالقدر خيره وشره، فالمرض من الله والشفاء من الله، والموت من الله والحياة من الله، فهذا من الثوابت التي لا ينازع عليه مسلم في اعتقاده، وأن الله تعالى إذا أنزل المرض، فهو الذي أنزل الشفاء منه، علم ذلك من علمه وجهله من جهله؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل))، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء))، وفي مسند الإمام أحمد عن أسامة بن شريك قال: ((كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: نعم، تداوَوا عباد الله؛ فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم))، وفي مستدرك الحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا السام وهو الموت)).

فعلاج كل الأوبئة والأمراض الفتاكة وغيرها هو عند الله، وقد يعلمه من يشاء من عباده ويخفيه عمن يشاء؛ امتحانًا منه وابتلاءً؛ حتى يرجع العباد إلى خالقهم ومولاهم، ويسألوه ذلك العلاج والشفاء.

ومن هدي الإسلام في التعامل مع الوباء عدم الذهاب إلى الأرض التي ينتشر فيها، وعدم الخروج منها؛ يدل على ذلك ما رواه عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سمعتم به - يعني: الطاعون - بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه))؛ [رواه البخاري ومسلم]، فنهى عليه الصلاة والسلام عن التعرض للمكان الذي ينتشر فيه الوباء والمرض والخروج منه.

ومن هنا أخذ العلماء رحمهم الله الحكمَ فيما ينبغي على الناس في مرض الطاعون وما شابهه من الأوبئة، وهو أن من كان خارج نطاق المرض والوباء، فإنه ممنوع من القدوم على المكان الموبوء؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ? وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ? [البقرة: 195]، وقوله تعالى: ? وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ? [النساء: 29]، وحتى لا يصابَ بالمرض، فيداخله حينئذٍ التسخط والتحسر والتمني وأنه لو لم يأتِ ما كان له ذلك.

والمشروع لمن كان داخل البلد ونطاق البقعة الموبوءة ألَّا يخرج من مكانه ذلك؛ لما في الخروج من المفاسد العديدة؛ فقد يؤدي إلى اتساع نطاق الوباء فيضر بالمسلمين انتقاله؛ ولهذا قال أهل العلم: "إن المرض ليس مختصًّا بالبقعة، ولكنه متعلق بالأشخاص، فالخروج لا يغني عن المرء شيئًا بل إنه يفاقم الحالة"، والحكمة في النهي عن الخروج من بلد الوباء هو حمل النفوس على الثقة بالله والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا بها.

وهذا الحديث يدل على أن الإسلام سبق إلى ما يسمى بالحجر الصحي؛ فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الاختلاط بأهل المرض المعدي فقال: ((فرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد))؛ [رواه أحمد]، وقال: ((لا يوردن ممرض على مصح))؛ [رواه أحمد وأبو داود].

وقد امتنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أُخبر أن الوباء والطاعون قد وقع بالشام، واستشار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشار عليه بعضهم بالمضي قدمًا، وأشار عليه البعض الآخر بعدم الدخول حفاظًا على أنفس من معه من الصحابة، فقرر عدم الدخول، فاعترض عليه أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه بقوله: "يا أمير المؤمنين، أفرارًا من قدر الله تعالى؟ فقال له: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفرُّ من قدر الله تعالى إلى قدر الله"، فقد بيَّن رضي الله عنه أن أخذ الحيطة والحذر من الوباء والمرض من قدر الله تعالى، ولا ينافي التوكل عليه.

ومن هنا يعلم أن ما تفعله السلطات الصحية في بلادنا حرسها الله؛ من الحجر الصحي، ومنع السفر لأماكن الوباء، وتعليق العمرة والزيارة مؤقتًا - هو من هذا الباب والهدي الإسلامي، ويحقق مقاصد الشريعة في حفظ النفوس والأبدان؛ فالواجب التعاون معهم في ذلك.

أما عن كيفية معالجة الوباء والمرض بعد الوقوع فيه، فيكون بعدة أمور أيضًا؛ منها: أن يوقن المصاب أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن يسلم بقضاء الله وقدره، ويعلم أن القضاء والقدر منه خيرٌ ومنه شر؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له))؛ [رواه مسلم].

فقد يكون إصابته بالمرض رفعة لدرجاته وتكفيرًا لسيئاته؛ حتى يلقى الله وما به من الذنوب شيء، وأن إصابته تلك إن أدت إلى وفاته كانت سببًا في استشهاده ولحوقه بالشهداء؛ ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطاعون شهادة لكل مسلم))، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته بالمصابين بالأوبئة.

ومن واجب السلطات الصحية أن تبذل كل ما في وسعها، من جهة الحجر الصحي، مع ضرورة إعطاء اللقاحات والقضاء على مسببات المرض والوباء؛ لأن ذلك من جملة الأسباب التي أمر بها العبد لمدافعة المرض، وكذلك نشر الوعي الصحي المكثف ببيان مسببات المرض، وكيفية تجنبه، وأهم أعراضه لمداواته، وفي الحين نفسه ينبغي أن نقويَ عند الناس جانب التوكل، وتفويض الأمر لله والثقة به جل وعلا تعالى، فيقترن الأمران ببعضهما؛ قال الله تعالى: ? قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ? [التوبة: 51]، والمعنى: أننا والخلق جميعًا تحت مشيئة الله وقدره، وهو سبحانه مولانا؛ أي: ملجؤنا ومتولي تصريف أمورنا، فعلينا الرضا بأقداره وتفويض الأمور إليه.

عباد الله، إن الطاعون قد يكون ابتلاء من الله تعالى وعذابًا من عنده كما أرسله على بني إسرائيل؛ ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض، فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا منها فرارًا منه))، وقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال: كان عذابًا يبعثه الله على من كان قبلكم، فجعله الله رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في بلد فيكون فيه، فيمكث لا يخرج، صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له - إلا كان له أجر شهيد)).

والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين وهو على كل شيء وكيل، فنسأله العفو والعافية في ديننا ودنيانا، وبلادنا وأهلينا وأموالنا، إنه سميع مجيب.

بارك الله لي ولكم ...

الخطبة الثانية

عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، وتفكروا في عظيم قدرته، فهذا وباء استُنفرت لأجله وزارات الصحة في العالم، و‏أُغلقت بسببه مدارس وجامعات، وعُطلت مصالح، و‏هزَّ اقتصاد العالم، وهو ‏فيروس لا يرى بالعين المجردة، فما أضعف الإنسان أمام قدرة الله! ‏? وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ? [النساء: 28]، مخلوق ركب الطائرات بلا تذاكر، وتجاوز نقاط التفتيش بلا تحايل، ودخل الدول بلا جوازات، وعبر القارات مع شدة التدابير والاحترازات، ذلك ليعلم العالم أن أمر الله نافذ، وأنه على كل شيء قدير؛ ? وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ? [الرعد: 11].

عباد الله، وإذا كانت الدول والشعوب تقلق وتخاف من انتشار الأوبئة والأمراض، وتتخذ كافة السبل، وتجند كل الطاقات، وتشتري كل الأدوية مهما غلا ثمنها، وهذا أمر مطلوب وواجب، ولكن أما تنبه الناس إلى مرض خطير وفتاك، يفتك بالأمم والشعوب، وضرره على الناس أشد من السموم على الأبدان؛ ألا وهو داء الذنوب والمعاصي؟ فالشرك بالله ومخالفة أمره من أعظم أسباب البلاء وحلول الآفات، واندثار الخيرات وقلة البركات، وإن من الوقاية من الذنوب والمعاصي الأمر بالمعروف والنهي من المنكر؛ فهو صمام الأمان من هلاك الأمم والجماعات؛ قال تعالى: ? وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ? [هود: 117]، فالواجب أن تتكاتف الجهود في القضاء على وباء المعاصي والمنكرات؛ حتى لا تغرق السفينة؛ فالذنوب والمعاصي هي سبب البلاء والنقمة ونزول الآفات؛ فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة.

ونسأل المولى جل في علاه أن يحميَنا ويحميَ بلاد الحرمين وبلاد المسلمين من كل شر ومكروه، إنه سميع قريب مجيب.


| ممدوح على حسنين على حسين على مكايد | العمارية الشرقية | 11/03/20 |

أدعية وأذكار للوقاية من الأمراض والأوبئة

حفلت السنَّة النبوية المطهرة بأحاديث صحيحة كثيرة تحث المسلم على الإتيان بما فيها من أدعية وأذكار تقال من أجل وقاية قائلها من الضرر ، والشرور ، وهي شاملة بمعانيها العامَّة للوقاية من الإصابة بالأمراض والأوبئة المختلفة ، ومنها :

1. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

( مَنْ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ ) .

رواه أبو داود ( 5088 ) ، ورواه الترمذي ( 3388 ) – وصححه - بلفظ :

( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ) .

2. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ ، قَالَ : ( أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ، لَمْ تَضُرَّكَ ) .

رواه مسلم ( 2709 ) .

3. عن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه قال : خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ لَنَا ، فَأَدْرَكْنَاهُ فَقَالَ : ( أَصَلَّيْتُمْ ؟ ) فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ، فَقَالَ : ( قُلْ ) ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : ( قُلْ ) ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : ( قُلْ ) ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : ( قُلْ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) . رواه الترمذي ( 3575 ) وأبو داود ( 5082 ) .

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - :

ومما يحصل به الأمن والعافية والطمأنينة والسلامة من كل شر : أن يستعيذ الإنسان بكلمات الله التامات , من شر ما خلق ثلاث مرات صباحا ومساء : ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ) فقد جاءت الأحاديث دالة على أنها من أسباب العافية ، وهكذا : ( باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات صباحا ومساء , فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من قالها ثلاث مرات صباحا لم يضره شيء حتى يمسي ومن قالها مساء لم يضره شيء حتى يصبح ) .

فهذه الأذكار والتعوذات من القرآن والسنَّة : كلها من أسباب الحفظ والسلامة والأمن من كل سوء .

فينبغي لكل مؤمن ومؤمنة الإتيان بها في أوقاتها , والمحافظة عليها ، وهما مطمئنان ، وواثقان بربهما سبحانه وتعالى ، القائم على كل شيء ، والعالِم بكل شيء ، والقادر على كل شيء ، لا إله غيره ولا رب سواه , وبيده التصرف والمنع والضر والنفع , وهو المالك لكل شيء عز وجل

" فتاوى الشيخ ابن باز " ( 3 / 454 ، 455 ) .

4. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي ) .

رواه أبو داود ( 5074 ) وابن ماجه ( 3871 ) ، وصححه الشيخ الألباني في " صحيح أبي داود " .

قال الشيخ أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله - :

( اللهم إني أسالك العافية ) أي : السلامة من الآفات الدينية ، والشدائد الدنيوية ، وقيل : السلامة من الأسقام والبلايا ، وقيل : عدم الابتلاء بها والصبر عليها والرضا بقضائها ، وهي مصدر أو اسم من عافى ، قال في القاموس : والعافية دفاع الله عن العبد وعافاه الله تعالى من المكروه عفاء ومعافاة وعافية : وهب له العافية من العلل والبلاء كأعفاه .

( اللهم إني أسالك العفو ) أي : محو الذنوب والتجاوز عنها .

( والعافية ) أي : السلامة من العيوب .

( في ديني ودنياي ) ، أي في أمورهما .

" مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " ( 8 / 139 ) .

5. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَال : كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ ) .

رواه مسلم ( 2739 ) .

قال المناوي – رحمه الله - :

والتحويل : تغيير الشيء وانفصاله عن غيره ، فكأنه سأل دوام العافية ، وهي السلامة من الآلام والأسقام .

" فيض القدير " ( 2 / 140 ) .

وقال العظيم آبادي – رحمهه الله - :

وتحول العافية : إبدال الصحة بالمرض ، والغنى بالفقر .

" عون المعبود شرح سنن أبي داود " ( 4 / 283 ) .

6. . عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَمِنْ سَيِّئْ الْأَسْقَامِ ) .

رواه أحمد (12592) وأبوداود (1554) والنسائي (5493) ، وصححه الألباني .

قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَوَّذْ مِنْ الْأَسْقَام مُطْلَقًا فَإِنَّ بَعْضَهَا مِمَّا يَخِفُّ مُؤْنَته وَتَكْثُرُ مَثُوبَتُهُ عِنْدَ الصَّبْر عَلَيْهِ مَعَ عَدَم إِزْمَانه كَالْحُمَّى وَالصُّدَاع وَالرَّمَد , وَإِنَّمَا اِسْتَعَاذَ مِنْ السَّقَم الْمُزْمِن فَيَنْتَهِي بِصَاحِبِهِ إِلَى حَالَة يَفِرُّ مِنْهَا الْحَمِيم وَيَقِلُّ دُونهَا الْمُؤَانِس وَالْمُدَاوِي مَعَ مَا يُورِثُ مِنْ الشَّيْن " .

نقله العظيم آبادي في "عون المعبود" .



...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة