فضاءات جنين بورزق

جنين بورزق

فضاء التربية والتعليم

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدية
حجيرة ابراهيم ابن الشهيد
مسجــل منــــذ: 2010-10-19
مجموع النقط: 1812.5
إعلانات


بقلم أحمد محمود عيساوي رسالة إلى ابني الطالب الجامعي الجزائري

بقلمأحمد محمود عيساوي

رسالة إلى ابني الطالب الجامعي الجزائري

أي بُنيّ:

استمع لأبيك الأستاذ، وخذ منه هذه النصائح الذهبية التي ستعبر بها نحو النهضة والتقدم.

لقد كان أدباء وكتّاب وعلماء عصري عندما يوجهون رسالة نصح أو توجيه أو إرشاد أو نقد إلى أبناء جيلي يبدأون رسائلهم وكتاباتهم الأدبية الصادقة بنداء عاطفي مؤثر جدا.. فيكتبون لنا مطلع الرسالة عبارة (أي بنيّ)، أي: (يا بنيّ)، وبمقابل ذلك النداء الأبوي العاطفي المؤثر.. كنا نتلقى كل ما يكتبونه بشغف روحاني متميز، وبلهفة وحرقةٍ اهتدائية كبيرة جدا.. كي نهتدي ونقتدي ونستفيد من تجربتهم وخلاصة وحكمة حياتهم العامرة بالفضائل وجلائل الأعمال.. فقد كتب الأديب (أحمد أمين 1886-1954م) لجيلي كتابا صغيرا سماه (رسالة إلى ولدي)، توجه من خلال نصح وتوجيه ابنه المقيم في أوروبا للدراسة إلى جيلي ينصحه ويرسم له معالم الطريق المستقبلي الصحيح.

كما كتب لنا عميد الأدب العربي طه حسين (ت 1973م) وعباس محمود العقاد (ت 1964م) وأحمد حسن الزيات (ت 1968م) وعلي الطنطاوي (ت 1999م) ومحمد علي الصابوني (حي 2019م) ومحمد الغزالي (ت 1996م) ومحمد سعيد رمضان البوطي (ت 2013م..) وغيرهم الكثير.. وكما كتب لجيلي الجزائري الناهض العلامة الداعية المصلح الشيخ الثائر (محمد البشير الإبراهيمي 1889-1965م) رسالة إلى الشباب الجزائري نشرها على حلقات بجريدة البصائر الإصلاحية، اللسان الناطق باسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، تحت عنوان: (الشباب الجزائري كما تصوِّره لي الخواطر) فكانت آية في روعة الفصاحة والبيان والوطنية المثالية، كما كتب لجيلي أبو النهضة العلمية والدينية الجزائرية الحديثة العلامة (عبد الحميد بن باديس 1889-1940م) قصيدته الشهيرة (شعب الجزائر مسلمٌ) سنة 1947م التي تشكل سبعة عشر بيتا من قصيدة قوامها سبعة وأربعين بيتا وعنوانها (حُيِّتَ يا جمع الأدب ورقيت سامي الرتب)، التي خاطب فيها الشباب ووجَّههم نحو المعالي وتحرير وطنهم من شرور وآثام الاستعمار الفرنسي.. فقال مخاطبا الشباب الجزائري الناهض:

(يا نشء أنت رجاؤنا ** وبك الصباح قد اقترب).

كما كتب الشيخ العلامة سيدي العربي التبسي (ت 1957م) والمفكر العالمي مالك بن نبي (ت 1973م) والشاعر محمد العيد آل خليفة (ت 1979م) والمؤرخ أحمد توفيق المدني (ت 1984م..) المقالات الطوال الموجهة إلى الشباب الجزائري وواجباته الرسالية تجاه نفسه وأهله وعشيرته وبلدته وقومه ووطنه وأمته العربية الإسلامية، وواجباته الرسالية تجاه هويته ودينه وخصوصياته وحضارته، وواجباته الآنية والحالية والمستقبلية، وما ينتظره منه وطنه الجزائري..

كانت كتاباتهم الوطنية الصادقة تفعل فعلها الثوري فينا، وتفجّر الأعماق الراكدة من براكين قلوبنا النائمة، وتزلزل خرائب الفساد وأعشاش الرذيلة والخَوَرِ القابعة في أعشار ومَقاتل نفوسنا، وتحطم كل آثار الشيطان والشهوات والميول والهوى والركون إلى الأرض والرضى بالدنيَّة والخسيسة في أنفسنا وديننا ولغتنا ووطننا وهويتنا.. وتقلع جذور الخيانة التي يزرعها ويبثها أعداء الداخل والخارج بكيدهم ومؤامراتهم وتواطؤهم وغدرهم وخياناتهم، وما أكثر هذه النوعية الرديئة في هذا الزمان الحساس من عمر جزائرنا الجريحة؟

واليوم أحب أن أتوجه بدوري برسالتي الوطنية الصادقة والمخلصة إلى أبنائنا وطلبتنا الجامعيين الجزائريين المنتشرين عبر الجامعات الجزائرية، والذين درَّسْتُ منهم ما يزيد عن ثلاثين ألف طالب وطالبة طيلة عقودي الجامعية الثلاثة، وما درستُهُ في عقد المرحلة الثانوية الأولى، فضلا عن الذين كانوا يستمعون إلى دروسي ومحاضراتي ومواعظي الجامعية والعلمية والمسجدية، ويشهدون مناقشاتي وتدخُّلاتي علاوة عن كتاباتي الصحفية والتخصصية وتآليفي المدرسية الصفية الجامعية.. طيلة تلك العقود الجهادية في سبيل الله ورفعة الوطن الجزائري العزيز.. إذ كنت أُدرِّسُ كل سنة أكثر من ألف طالب على مدار عشر محاضرات أسبوعية علمية تخصصية، أبدأها بجرعة التوعية الصباحية مع افتتاح كل محاضرة أو درس تطبيقي، كما تتخللها المواعظ وقبسات الوعي المنطوق، وتزيِّنها جماليات التقديس الصامت والمرموز والمُوحي للقانون وللمهنية ولاحترام معايير وضوابط المهنية والعلمية والمنهجية والوقت والرسالية.. إذ كنا نُخَّرِجْ قبل أكثر من عقدين من الجامعة رجالا وقادة ومفكرين وإطاراتٍ واعية ومستنيرة ورائدة، ثم تردَّى حالنا وحال الجامعة فصرنا نمنح شهاداتٍ فقط بها شيء من المعرفة العامة التي لا تسمن ولا تغني من جوع العلم والمعرفة. واليوم بتنا –للأسف الشديد- وباتت معنا الجامعة البائسة المريضة تُلقي وتطرح أجنةً مشوهة نحو سوق العمل المُترع بالبطالين، وتطرح أمشاجاً سيامية من الخريجين الأجنة أيضا، لا يزينها العلم والحِلْمُ والخُلق والدين والوطنية وجماليات الهوية.. جامعيون بغير علم.. ومن غير فكر.. ومن غير معرفة.. ومن غير منهج.. ومن غير وعي.. ومن دون رسالة ولا رسالية.. ومن دون هدف نبيل في هذه الحياة..

يتلاعب بهم –للأسف الشديد- شياطين الإعلام وقنواته الفضائية الخفية، ويتهاداه يمنة ويسرة قساوسة مواقع التواصل الإلكترونية الصهيونية والماسونية والانفصالية المشبوهة، من عبيد الاستعمار القديم، المترعين بروح القابلية للاستذلال، والمشبعين برحيق المركوبية والاستحمار.. تتلاعب بهم مراكز البحث والدراسات الخفية التي تخطط لهذه الفضاءات غير متناهية الأبعاد، العاجَّةِ بالمندسِّين والانتهازيين والمتآمرين والمتربصين بقدسية ومكانة هذا الوطن من روحنا ومصيرنا وبقائنا.. وتعبث بهم يد المغرضين والوصوليين والأفاكين من أبالسة المكر العلماني واليساري الخفي، ومحترفي الدهاء السياسي والحزبي المُتستر خلف شعارات ومبادئ حرية وحقوق الإنسان الآفلة.. مستغلين بعبقرية شيطانية قلة بضاعتهم التجرُبية، وضآلة معارفهم العلمية، وضحالة مخزونهم الفكري والتاريخي والثقافي والأدبي، وبساطة تطلعاتهم وزادهم النفسي والاقتداري والموهبي والتمكني.. فيوجّههم أحفاد (كتائب: الخونة، والصبايحية، وقناصة شمال إفريقية)، وأحفاد (فرحات بن سعيد الخائن، وبوعكاز الخائن، وبن قانة بوعزيز الخائن، وأتباع أحمد التيجاني الخونة..) دون وعي وتفطن ويقظة منهم، وذلك بهدف تعكير صفو ومشرب رسالتهم العلمية والأدبية والوطنية الطلابية النبيلة، ويسيِّرونهم وفق المخططات التي وضعها لهم أسيادُهم من خلف البحار.. للعودة إلى استعمار الجزائر، وتحقيق مقولات أباطرة الاستعمار من القتلة والدمويين والسفاحين ومجرمي الحروب وسافكي دماء وأرواح آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا كـ(بيجو، وبيليسي، ولامورسيير، وسانت أرنو، ودو رفيقو، والدوق دومال، وهاربيون، ودو نيقريي، ودو نوفو، وماسيو، وريمون لاقايارد، وبيجار، وجوان، وشال، وديغول، ومتيران..) وقائمة المجرمين والقَتَلَةِ طويلة جدا، ويوهمونهم بأنهم مازالوا تحت حكم العسكر، ويمنّونهم بحلم الدولة المدنية، وبنعيم وبحبوحة الديمقراطية الغربية، وبالانتخابات النزيهة، ويبشّرونهم بأنهم قاب قوسين أو أدنى من تركيع الجزائر وشعبها الأصيل.. وغيرها من ألاعيب وأكاذيب ودعايات الأقبية والسواد التي تفنن في صنعها مردة الشيوعيين وفسقة الفرنكوفونيين وفوضويي البربريست الانفصاليين.. كما صنعوا لنا يوم أن كنا طلبة جامعيين بعد وفاة الراحل بومدين يوم 28/12/1978م وصعود الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد (ت 2012م) في إضراب التعريب والربيع الأمازيغي سنوات 1979-1982م، والمطالبة بحرية الإعلام والصحافة وتكوين الأحزاب والدستور التعددي.. مستغلين حماسنا وصدقنا وفاعليتنا وقلة بضاعتنا وزادنا التجرُبي.. فدمرنا وكسرنا وحطمنا ممتلكاتنا وجامعاتنا ومنشآتنا.. ظانين أن ذلك هو السبيل للحرية والديمقراطية والكرامة وجزائر التعددية..

فلماذا نسيت وذهلت عن رسالتك الجامعية المقدسة يا بني، وصرتَ ألعوبة بيد الانفصاليين والفوضويين والتغريبيين؟

عتابٌ أوجهه لك يا بني:

والآن أُوجه لك عتابي الرقيق مذكرا إياك برسالتك النبيلة في الحياة الجامعية القصيرة التي نسيتها وذهلت عنها، وهي رسالة طلب العلم والاستزادة من المعرفة، والتحلي بالأخلاق والآداب الفاضلة، ونفع الأمة والوطن.. ولكن عندما انحرفتَ عن مزاولة مهمتك الرسالية في الجامعة، وجب علينا تنبيهُك وتوجيهك، لعلك تحتاط لِما تبقى لك من الوقت الجامعي الثمين، فتحسن استغلاله واستثماره على وجه الصحيح.

لقد صرتُ للأسف الشديد –مع كثيرين من أمثالي- أتحرق منذ أكثر من عقد من الزمن الجامعي البائس أن يأتيني طالبٌ أو طالبة يحمل كتابا اقتناه أو استعاره من المكتبة أو وجده في صناديق بيتهم المهملة ليخاطبني في فكرة أو نظرية أو وجهة نظر مخالِفة لما قلته أو درَّسْتُهُ أو خالفته.. فلماذا صرتَ يا بني لا تقرأ ووظيفتك القراءة؟ وصرتَ تتظاهر وتُعطّل الدراسة، وتنشر الفوضى والاضطراب في رحاب الجامعة والطريق، وهي ليست من مهامك الأساسية؟

وهكذا –يا بنيّ- ستخسر معركة المعرفة والعلم، ويربح الدساسون الذين جعلوك وقودا لمشاريع أسيادهم الاستخرابية الاستعمارية..

وغدوتُ أتألم أيضا عندما أُبصر في حالك وحالك لِداتِكَ، ولاسيَّما عندما أحضر إلى المحاضرة الصباحية الأولى على الساعة الثامنة صباحا وكلّي تفاؤلٌ وأمل فيكم يا مستقبل الجزائر، وأتفرَّس في صفوف المدرَّجات التي من المفترَض أن تحوي المئات من الطلبة والطالبات وهي خاوية على عروشها، إلاّ من بعض الفتيان والفتيات الحريصات على طلب العلم.. فلماذا هجرتَ مقاعد الدرس والعلم والفطنة والوعي؟ ووظيفتك الأساسية هي التبكير للفوز بمقعد في الصفوف الأولى لتسمع من خيرة من تبقى من الأساتذة الأفاضل الذين ما زالوا يُجَمِّلون المشهد الجامعي البائس؟

وهكذا خسرتَ رهان معركة العلم والعرفان الأساسية لك في حياتك العملية والمستقبلية، وربح غيرُك من المتآمرين والأعداء، ممن اتخذوك مطية لمآربهم الشيطانية الذاتية والأنانية الضيقة..

وبتُّ أتشوق كمدا وحسرة على النوعية الرديئة وغير المبالية التي رمى بها الكومبيوتر -ومن مختلف التخصصات- في البرك الجامعية الآسنة.. لأرى طالبا أو طالبة في مكتبة يقرأ أو يسأل أو يستفسر أو يتساءل أو يُحَلِّقُ بمعية أستاذ أو أستاذة أو يطلب شرحا وتوضيحا..؟ فلماذا تخليت يا بنيّ عن مهمتك النبيلة في اكتساب العلم والمعرفة والوعي؟ وهي وظيفتك الأساسية والتي وُجدت من أجلها في الجامعة؟ ورحت تملأها إضرابات واحتجاجات وتوقيفات وبيانات وعرائض.. ظاهرها خدمة المصلحة الطلابية، وباطنها تعكير صفو الحياة العادية في الجامعة، وإدخال البلاد في الفتنة والفوضى؟

من ربح المعركة، أنت أم أولئك الدساسون من أعوان الاستعمار ودعاة الانفصال والتفكيك والتشرذم؟ طبعا هم لأنهم اتخذوك مطية سهلة ورخيصة وغير مكلفة لتحقيق مآربهم الاستعمارية الدنيئة..

متى تستفيق من سباتك وغفلتك يا بني؟ ومتى تنتبه لما يُراد لوطنك وماضيك وحاضرك ومستقبلك ومصيرك ووجودك بك وبأمثالك؟

ومتى تعي رسالتك الأساسية في الحياة؟ ومتى تحقق قول الشاعر فيك:

قِفْ دون رأيك في الحياة مجاهدا *** إن الحياة عقيدةٌ وجهاد.

أللهم اشهد أني بلغت..


تقييم:

0

0

مشاركة:

التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة