فضاءات العمارية الشرقية
إعلانات

ممدوح على حسنين على حسين على مكايد | العمارية الشرقية | 28 - 12 - 18 | الزيارات: 31 |
دَوْرُكَ فِي نَـهـْضَةِ الـوَطَنِ ( سلسلة خطب الجمعه )

بسم الله الرحمن الرحيم

دَوْرُكَ فِي نَـهـْضَةِ الـوَطَنِ ( سلسلة خطب الجمعه )

الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الأَوْطَانَ مُستَقَرًّا لِبَنِي الإِنْسَانِ، وَوَهَبَهُمْ فِيهَا الأَمْنَ وَالاطْمِئْنَانَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْـلٌ مِنَ الحَمْدِ وَأُثْنِي عَلَيْهِ، وَأُومِنُ بِهِ وَأَتَوكَّلُ عَلَيْهِ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَطَرَ الإِنْسَانَ عَلَى حُبِّ الوَطَنِ، وَأَمَرَهُ بِشُكْرِ مَا وَهَبَهُ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، -صلى الله عليه وسلم-  وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَـ (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))(1)، وَاعلَمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - أَنَّ الوَطَنَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، عَلَى تُرَابِهِ دَرَجَ أَبْنَاؤُنَا أَطْفَالاً وَصِبْيَانًا، وَفِي كَنَفِهِ عِشْنَا وَعَاشَ آبَاؤُنَا شُبَّانًا وَشُيُوخًا، فَأَحْبَبْنَاهُ كَمَا أَحَبَّ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-  وَطَنَهُ مَكَّةَ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا الحُبِّ بِكَلِمَاتٍ رَقِيقَةٍ تَحْمِلُ مَعَانِيَ كَبِيرَةً، حِينَ قَالَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا: ((مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ))، وَلِذَا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ المَدِينَةَ كَحُبِّهِ مَكَّةَ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-  : ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَو أَشَدَّ))، فِي وَطَنِنَا وَجَدْنَا الأَمْنَ وَالأَمَانَ، وَتَقَاسَمْنَا الفَرَحَ وَالأَحْزَانَ، إِنْ سُرِرْنَا انتشَرَتِ البَهْجَةُ في رُبُوعِهِ، وَإِنْ أَلَمَّ بِنَا هَمٌّ، أَو مَرَّ بِنَا غَمٌّ، نَظَرْنَا فِي نَوَاحِيهِ، وَتَأَمَّلْنَا خَيْرَاتِهِ وَرَوَابِيَهُ، فَتَذَكَّرْنَا أَنَّنَا بِوَطَنٍ كَرِيمٍ، وَفِي خَيْرٍ عَمِيمٍ، فَانْقَلَبَ الحُزْنُ إِلَى سُرُورٍ، ((بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ))(2)، بَلْدَةٌ دَعَا لَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-   بِالخَيْرِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ قاَئِلاً: (( اللَّهُمَّ وَسِّعْ عَلَيْهِمْ فِي مِيرَتِهِمْ، وَأَكْثِرْ خَيْرَهُمْ مِنْ بَحْرِهِمْ))، فَمَا أَجَلَّهَا مِنْ نِعْمَةٍ، وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ مِنَّةٍ، لَقَدْ نَهَضَ الوَطَنُ وَقَامَ، واشَتَدَّ عُودُهُ وَاستَقَامَ، فَنَظَرَ إِلَى أَبْنَائِهِ، وَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمْ، فَارْتَقَوا بِرُقِيِّهِ، فَكَانَ لَهُمْ عِزَّةً وَفَخْرًا، فَهَلاَّ رَدُّوا الجَمِيلَ، وَصَارُوا لَهُ عُدَّةً وَذُخْرًا؛ فَإِنَّ لِلنِّعْمَةِ شُكْرًا، وَلِلْجَمِيلِ فِي قَلْبِ الوَفِيِّ مَوقِعًا وَذِكْرًا، يَدْفَعُهُ لِلإِسْهَامِ فِي مُوَاصَلَةِ النَّهْضَةِ، وَكُلِّ مَا يُحقِّقُ لِلْوَطَنِ المَجْدَ وَالرِّفْعَةَ، بَدْءًا مِنَ الحِفَاظِ عَلَى أَمْنِهِ وَاستِقْرَارِهِ، فَهَذَا أَوَّلُ رَكَائِزِ الوَطَنِ السَّعِيدِ، امتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى أَهْـلِ مَكَّةَ فَقَالَ: ((لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ))(3)، تَأَمَّـلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - دُعَاءَ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ-: ((رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا))(4)، وَقَوْلَهُ: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ))(5)، تَجِدُوهُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - مُدْرِكًا لِقِيمَةِ الأَمْنِ فِي البَلَدِ، سَائِلاً رَبَّهُ أَنْ يُمِدَّ أَهْـلَهُ بِأَسْبَابِ الاستِقْرَارِ، فَهَلاَّ أَدْرَكْنَا قِيمَةَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَسَعَيْنَا لِدَوَامِهَا، بِالتِزَامِ القَوَانِينِ، وَبَثِّ الوَعْيِ بِأَهَمِّيَّـتِهَا، وَالوُقُوفِ فِي وَجْهِ كُلِّ عَابِثٍ، وَالحَذَرِ مِنْ كُلِّ إِشَاعَةٍ تُهَدِّدُ استِقْرَارَ الوَطَنِ، أَو فِكْرَةٍ قَدْ تُخَلْخِلُ بُنْيَانَهُ. إِنَّ أَمْنَ الوَطَنِ إِنَّمَا يُبْنَى بِالفِكْرِ السَّلِيمِ لأَبْنَائِهِ، وَالتِزَامِهِمُ العِفَّةَ وَالفَضِيلَةَ، وَالبُعْدِ عَنْ كُلِّ مَنْقَصَةٍ وَرَذِيلَةٍ، فَمَا سُنَّتِ القَوَانِينُ، وَلاَ وُضِعَتِ القَوَاعِدُ إِلاَّ لِيَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ فِي بُيُوتِهِمْ آمِنِينَ، وَعَلَى أَعْرَاضِهِمْ وَمُمْتَلَكَاتِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ، إِنَّ التَّغَافُلَ عَنِ القَوَانِينِ وَتَخَطِّيَهَا، وَتَجَاهُلَ الأَنْظِمَةِ وَتَعَدِّيَهَا، ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ وَلِلآخَرِينَ، وَلَيْسَ فِي الظُّلْمِ أَمْنٌ وَلاَ خَيْرٌ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ))(6)، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَامَّةٌ تَصْدُقُ عَلَى المُجتَمَعَاتِ كَمَا تَصْدُقُ عَلَى الأَفْرَادِ. لَقَدْ عُرِفَ وَطَنُكُمْ بِحُبِّ السَّلاَمِ، وَتَصَدَّرَ عَالَمِيًّا قَوَائِمَ الأَمْنِ وَالأَمَانِ، فَغَدَا قَاصِدُهُ مُطْمَئِنًّا، وَأَمْسَى قَاطِنُهُ آمِنًا، وَمَا ذَاكَ بِغَرِيبٍ، فَقَدْ أَشَادَ بِأَمْنِهِ وَسَلاَمِهِ المُصْطَفَى -صلى الله عليه وسلم-  ، فَعَنْ أَبَي بَرْزَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-   رَجُلاً إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ وَشَتَمُوهُ؛ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-  فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلا ضَرَبُوكَ))، فَلْنُسْهِمْ - عِبَادَ اللهِ - فِي المُحَافَظَةِ عَلَى أَمْنِ هَذِهِ البِلاَدِ، كُلٌّ عَلَى قَدَرِ استِطَاعَتِهِ.

أيُّهَا المُسلِمُونَ :

إِنَّ العِلْمَ أَسَاسُ النَّهْضَةِ، وَسَبِيلُ المَجْدِ وَالرِّفْعَةِ، بِهِ تُبْنَى الأُمَمُ، وَتَقُومُ الشُّعُوبُ وَالدُّوَلُ، وَقَدْ فَتَحَ لَكُمْ وَطَنُكُمْ لِلْعِلْمِ أَبْوَابًا، وَلِلثَّقَافَةِ النَّافِعَةِ مَجَالاَتٍ وَآفَاقًا، وَمَا ذَاكَ بِغَرِيبٍ، فَقَدْ شُيِّدَتْ نَهْضَتُهُ عَلَى العِلْمِ، وَأُسِّسَ بُنْيَانُهُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ عَلَى سَلِيمِ الفِكْرِ وَالفَهْمِ، فَهَا هُوَ يُرَبِّي أَبْنَاءَهُ عَلَى مَا عَلَيْهِ تَرَبَّى، ويُنَشِّئُ أَجْيَالَهُ عَلَى فِكْرٍ بِهِ تَرَعْرَعَ وَتَغَذَّى، مُدْرِكًا أَنَّ عُقُولَهُمُ الوَاعِيَةَ، وَعُلُومَهُمُ النَّافِعَةَ أَسَاسُ الرِّفْعَةِ وَضَمَانُ دَوَامِهَا، لَقَدْ فَتَحَ لَكُمُ الوَطَنُ المَدَارِسَ وَالجَامِعَاتِ، وَهُيِّئَتْ فِيهِ وَسَائِلُ النَّقْلِ وَالمُواصَلاَتِ، وَتَنَوَّعَتْ وَسَائِلُ الثَّقَافَةِ وَتَعَدَّدَتْ مَصَادِرُهَا، حتَّى صَارَتْ فِي مُتَنَاوَلِ جَمَيِعِ الفِئَاتِ، فَلْنَكُنْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِفَضْلِ اللهِ مِنَ الذَّاكِرِينَ، ((وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ))(7)، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ بِالاهتِمَامِ الجَادِّ بِمُخْتَلَفِ العُلُومِ النَّافِعَةِ، وَالحِرْصِ عَلَى الوُصُولِ لِثِمَارِهَا اليَانِعَةِ، فَلاَ يَزَالُ الإِنْسَانُ بِخَيْرٍ مَا طَلَبَ العِلْمَ، فَهُوَ فِي طَرِيقٍ يُوْصِلُهُ لِلْقِمَمِ، وَيَرْفَعُ وَطَنَهُ بَيْنَ الأُمَمِ. هَذَا وَإِنَّ لِلْعِلْمِ أَخًا يُلاَزِمُهُ، وَيَجْعَلُ قِيمَةً كُبْرَى لِمَنِ اهتَمَّ بِهِ وَلاَزَمَهُ، إِنَّهُ العَمَلُ وَالكِفَاحُ، فَمَا بِالكَسَلِ تُعْمَرُ البُلْدَانُ، وَمَا فِي الدَّعَةِ والتَّواكُلِ نَهْضَةٌ لِلأَوْطَانِ، فَقَدْ بَسَطَ اللهُ الأَرْضَ وَاستَعْمَرَكُمْ فِيهَا، وَيَسَّرَ أَسْبَابَ الرِّزْقِ وَأَمَرَكُمْ بِالسَّعْيِ إِلَيْهَا، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ))(8)، وَيَقُولُ جَلَّ وَعَلاَ: ((فإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ))(9)، لَقَدْ قَامَتِ الأُمَمُ المُتَحَضِّرَةُ بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ، وَنَهَضَتِ الشُّعُوبُ المُتَقَدِّمَةُ حِينَ جَعَلَتْهُمَا قَرِينَيْنِ، وَهَذَا مَا بُنِيَ بِهِ وَطَنُكُمْ، فَلْتَتَوَاصَلِ الجُهُودُ، فَلَنْ يُخَيِّبَ اللهُ مَا بُذِلَ مِنْ مَجْهُودٍ، لِيَنْتَشِرِ الشَّبَابُ الوَاعِدُ فِي مَوَاقِعِ العَمَلِ، وَلْيَنْفُضُوا عَنْهُمْ غُبَارَ الدَّعَةِ وَالكَسَلِ، فَقَدْ تَنَوَّعَتِ القِطَاعَاتُ، وَتَعَدَّدَتِ المُؤَسَّساتُ وَالهَيْئَاتُ، وفُتِحَتْ لَهُمْ شَتَّى المَجَالاَتِ، عَلَى اخْتِلاَفِ المَوَاهِبِ وَالقُدُرَاتِ، فَمَنْ أَقْبَلَ بِجِدٍّ، وَأَقْدَمَ بِصِدْقٍ؛ وَجَدَ مَا يُنَاسِبُهُ، فَصَارَ مُوَاطِنًا صَالِحًا، وَلِبَلَدِهِ مُخْلِصًا وَنَاصِحًا، إِنَّ المَسْؤُولِيَّةَ الفَرْدِيَّةَ بِحَسَبِ مَوقِعِ كُلِّ فَرْدٍ وَالمُهِمَّةِ المُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلِلْجَمَاعَةِ مَسْؤُولِيَّةُ التَّعاوُنِ وَالتَّلاَحُمِ، فَالمُؤَسَّسَاتُ يُكَمِّـلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِي خِدْمَةِ الوَطَنِ تَجتَمِعُ أَهْدَافُهَا، وَيَتَوَحَّدُ طَرِيقُهَا.

عِبَادَ اللهِ :

إِنَّ الحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ، وَمُخْتَلَفَ وَسَائِلِ التَّنْمِيَةِ، مِنْ أَكْبَرِ دَعَائِمِ نَهْضَةِ الأَوْطَانِ، وَأَنْجَحِ سُبُلِ خِدْمَتِهَا وَرِفْعَتِها، فَالتَّنْمِيَةُ النَّافِعَةُ أَسَاسُ الاقْتِصَادِ النَّاجِحِ، فَمَا أَرْوَعَ أَنْ يُحْسِنَ الاقتِصَادِيُّ انْتِمَاءَهُ لِوَطَنِهِ، ويُدْرِكَ أَنَّ بَلَدَهُ يُلْقِي عَلَيْهِ عَظِيمَ المَسْؤُولِيَّةِ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ نَظْرَةَ الدَّائِنِ الذِي حَلَّ دَيْنُهُ، فَقَدْ تَرَبَّى عَلَى ثَرَاهُ، وَانْبَسَطَ لَهُ أَرْضًا، وَذَلَّلَ اللهُ فِيهِ جَبَلاً وَسَهْلاً، وَعَاشَ عَلَى ثَمَرَاتِهِ، وَتَرَعْرَعَ بَيْنَ خَيْرَاتِهِ، فَلْتَكُنْ خِدْمَةُ هَذَا الوَطَنِ المِعْطَاءِ فِي صَدْرِ قَائِمَةِ أَهْدَافِهِ، بِالتَّنْمِيَةِ المَحَلِّيَّةِ، وَتَشْغِيلِ القُوَى العَامِلَةِ الوَطَنِيَّةِ، وَتَسْخِيرِ كُلِّ الطَّاقَاتِ، نَقْدًا وَآلاَتٍ وَمُعَدَّاتٍ، فِيمَا يَعُودُ بِالخَيْرِ عَلَى الوَطَنِ، وَلْيَحْذَرْ جَمِيعُكُمْ مِنْ حَسَدٍ يُبَاعِدُ ويُفَرِّقُ، أَو احتِكَارٍ يُجَافِي وَيُمَزِّقُ، فَلاَ أَنَانِيَّةَ فِي الوَطَنِ، فَكُلُّكُمْ أَبْنَاءُ بَلَدٍ وَاحِدٍ، تَسْعَوْنَ إِلَى مَزِيدِ نَهْضَتِهِ، وَقَدْ تَعَوَّدَ مِنْكُمْ حِرْصًا عَلَى تَقَدُّمِهِ وَرِفْعَتِهِ.

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، واعلَمُوا أَنَّ العِلْمَ وَالعَمَلَ قَرِينَانِ، بِهِمَا تُبْنَى البُلْدَانُ، وَتَنْهَضُ الأَوْطَانُ، فَسَخِّرُوهُمَا خِدْمَةً لِهَذَا البَلَدِ المُبَارَكِ، فَمَا جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ، وَاحْرِصُوا عَلَى أَنْ يَعْرِفَ كُلٌّ مَوقِعَهُ، فَيُبْذَلَ المَجْهُودُ، وَتَتَضَافَرَ الجُهُودُ، مِنْ أَجْـلِ النُّهُوضِ بِالوَطَنِ السَّعِيدِ.

أقُولُ قَوْلي هَذَا   وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ   لي وَلَكُمْ،   فَاسْتغْفِرُوهُ   يَغْفِرْ لَكُمْ    إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ،  وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ   إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

*** *** ***

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :

التَّقْوَى أَسَاسُ كُلِّ بِنَاءٍ، وَسَبَبُ كُلِّ رَخَاءٍ، بِهَا تُنَالُ الرَّحَمَاتُ، وَتَنْزِلُ البَرَكَاتُ، وَهَذَا وَعْدُ اللهِ، يَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))(10)، فَبِالتَّقْوَى يَكْثُرُ القَلِيلُ، وَيُبَارَكُ فِي الكَثِيرِ، وَلَقَدْ وَسَّعَ اللهُ لَكُمْ فِي الوَطَنِ خَيْرَاتِهِ، وَبَسَطَ لَكُمْ مِنْ ثَرَوَاتِهِ، وَوَكَلَ إِلَيْكُمْ أَمْرَ الإِنْفَاقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَحُسْنَ الاستِهْلاَكِ بَيْنَ التَّقْتِيرِ وَالتَّبْذِيرِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ((وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا))(11)، وَيَقُولُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ((وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ))(12)، إِنَّ الإِسْرَافَ يَستَنْزِفُ الأَمْوَالَ، ويُبَدِّدُ الثَّرَوَاتِ، وَإِنَّ التَّقْوَى لَتَحْـتِمُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعِيشُ عَلَى تُرَابِ الوَطَنِ، أَنْ يَحْرِصَ عَلَى مُمْتَلَكَاتِهِ العَامَّةِ، أَكْثَرَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى مَالِهِ الخَاصِّ، فَإِنَّهَا رَعِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي عُنُقِ كُلِّ مُوَاطِنٍ صَالِحٍ، ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(13)، إِنَّ وَاجِبَ الدِّينِ وَالفِطْرَةِ يَحْـتِمُ عَلَى كُلٍّ منَّا أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَى المَرَافِقِ العَامَّةِ، ذَائِدًا عَنْهَا كُلَّ مُخَرِّبٍ وَعَابِثٍ.

أَيُّهَا المُؤمِنونَ :

تَمُرُّ الأَعْوَامُ، وَتَتَعَاقَبُ الأَجْيَالُ، وَيَظَلُّ الوَطَنُ مُتَطَلِّعًا إِلَى كُلِّ جِيلٍ، وَسَائِلاً كُلَّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، مَاذَا أَعْدَدْتَ لِي؟ وَمَا اللَّبِنَةُ التِي تُسْهِمُ بِهَا فِي نَهْضَتِي؟ فَحَرِيٌّ بِالمُرَبِّينَ، وَالنَّاصِحِينَ المُخْلِصِينَ، أَنْ يَجْعَلُوا لِهَذَا التَّطَلُّعِ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ وَقْعًا، وَفِي عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ لِهَذَا السُّؤَالِ جَوَابًا مُقْنِعًا، بِتَنْشِئَتِهِمْ عَلَى الصَّلاَحِ وَالتَّقْوَى، وَالحِرْصِ عَلَى العِلْمِ النَّافِعِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَبَذْلِ الغَالِي وَالنَّفِيسِ مِنْ أَجْـلِ رُقِيِّ الوَطَنِ.

فَاتَّقُوا رَبَّكُمْ -عِبادَ اللهِ-، وَرَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى الصَّلاَحِ وَالخَيْرِ، لِيَكُونُوا لَبِنَةً صَالِحَةً فِي بِنَاءِ الوَطَنِ.

هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (( إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا )) (14).

اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعاً مَرْحُوْماً، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقاً مَعْصُوْماً، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْماً.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَ كُلاًّ مِنَّا لِسَاناً صَادِقاً ذَاكِراً، وَقَلْباً خَاشِعاً مُنِيْباً، وَعَمَلاً صَالِحاً زَاكِياً، وَعِلْماً نَافِعاً رَافِعاً، وَإِيْمَاناً رَاسِخاً ثَابِتاً، وَيَقِيْناً صَادِقاً خَالِصاً، وَرِزْقاً حَلاَلاً طَيِّباً وَاسِعاً، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الحَقِّ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظِّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.

اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ.

اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، الْمُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالْعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ.

اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا وكُلِّ أَرزَاقِنَا يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.

رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.

رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.

عِبَادَ اللهِ :

(( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيْتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ )).

 

(1) سورة الحشر/ 18.

(2) سورة سبأ/ 15.

(3) سورة قريش/ 1-4.

(4) سورة إبراهيم/ 35.

(5) سورة إبراهيم/ 37.

(6) سورة الأنعام/ 82 .

(7) سورة إبراهيم/ 7.

(8) سورة الملك/ 15.

(9) سورة الجمعة/ 10.

(10) سورة الأعراف/ 96.

(11) سورة الإسراء/ 29.

(12) سورة الأعراف/ 31.

(13) سورة آل عمران/ 161.

(14) سورة الأحزاب / 56 .

( تم بحمد الله )

 


تقييم:

0

0

مشاركة:




التعليق على الموضوع عبر فيس بوك

التعليق على الموضوع في الموقع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة

فكرة وتصميم وبرمجة الموقع: أحمد زربوحي
للتواصل: e-mail: khbarbladi@gmail.com