فضاءات سبيبة
إعلانات

محمد المولدي الداودي | سبيبة | 30 - 09 - 15 | الزيارات: 4606 |
جغرافيا النجاح..جغرافيا الفشل

القصرين :باكلوريا 2015

جغرافيا النجاح...جغرافيا الفشل:

لا تبدو نتائج الباكلوريا في دورتها الأولى مفاجئة لكلّ التونسيين ولم تكن خارجة عن قوانين المنطق ومصادراته ومقدّماته ...نفس الظروف تؤدّي حتما إلى نفس النتائج..حكمة العلماء والمناطقة تجلّت في جغرافيا الباكلوريا في كلّ عام دراسيّ.وككل عام تصدّرت نفس المندوبيّات قائمة الناجحين واستقرّت مندوبيّات أخرى في نهاية القائمة .الأمر لا يستحقّ التعجّب ولا التأسّي إنّه عادة تونسيّة ككل العادات التي ألفناها منذ الاستقلال. لقد رسمت خارطة نتائج الباكلوريا الخارطة التنمويّة التونسيّة وأعادت طرح الأسئلة: أسئلة النظام التربوي وأسئلة العدالة بين الجهات في ما يتعلّق بالبعد التربوي والتعليمي بل إنّ سؤال التهميش والظلم التنموي يزداد تحقّقا حين تطرح مسألة التعليم في المناطق الداخليّة.

وفي السنة الدراسيّة 2014/2015  لم تتجاوز نسبة النجاح في الدورة الرئيسيّة 11.44 وهي النسبة الأدنى على المستوى الوطني .

حاولنا من خلال هذا المقال رصد أهم الأسباب التي أدّت إلى مثل هذه النتائج ومنها ما يتعلّق بمعالم فشل المنظومة التربويّة التونسيّة عامّة  ومنها ما هو انعكاس مباشر  للمصاعب التنمويّة بولاية القصرين ومنها ما يتعلّق بالبيئة التربويّة والاجتماعيّة بالجهة.

يتجاوز عدد التلاميذ في المراحل الثلاثة التسعين (90) ألفا منهم خمسون ألفا في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي وعشرون ألفا في المرحلة الثانية من التعليم الأساسي وكذلك عشرون ألفا في المرحلة الثانويّة  وتبلغ عدد المؤسّسات التربويّة 366 مؤسّسة منها 307 مدرسة ابتدائيّة و32 مدرسة إعداديّة و27 معهدا وتظلّ هذه المعطيات التعليميّة مرتبطة بنسبة الأميّة التي تتجاوز الثلاثين (30) بالمائة وهي الأعلى وطنيّا ونسبة البطالة التي تتجاوز العشرين بالمائة وهي من بين النسب الأعلى وطنيّا  كما يبلغ عدد المنقطعين عن التعليم في المرحلة الثانية من التعليم الأساسي 1344 ويبلغ عددهم في المرحلة الثانويّة 2633 تلميذا .

 

القصرين : مظاهر التهميش في بعده التربوي والتعليمي.

يشكّل قطاع التعليم في ولاية القصرين وجها من وجوه التهميش الذي عاشته الولاية منذ الستينات    ومن تجليّاته التي ساهمت في ضعف النتائج في الامتحانات الوطنيّة :

1-             مؤسسات تربويّة ذات بنية تحتيّة عاجزة على تحقيق نتائج مميّزة.

-       نقص فادح في التجهيزات المخبريّة ووسائل العمل التطبيقي .

-       نقص في قاعات الاختصاص المجهّزة.

-       نقص في قاعات المراجعة .

-       مكتبات غير مفيدة وغير مطابقة للبرامج المدروسة.

2-             انعدام الاستقرار البيداغوجي.

ويتمثّل أساسا في حركة النقل الدائمة إلى حدّ أضحت معه ولاية القصرين "معبرا للمربّين" الذين يكتسبون  مهارات بيداغوجيّة عبر التكوين في سنوات عملهم الأولى ثمّ تضطرّهم حالات صحيّة واجتماعيّة للنقلة ولهذه الظاهرة نتائج بيداغوجيّة مؤثّرة في العمليّة التربويّة عموما ومنها :

-       حرمان التلامذة من مكاسب بيداغوجيّة تمكّن منها الأساتذة الذين غادروا الجهة.

-       ظهور حالات صحيّة بالنسبة للأساتذة الذين لم يتمكنوا من النقلة وهي حالات تستوجب عطلة مرض طويلة الأمد وفي المندوبيّة الجهويّة للتربية بالقصرين إحصائيّات مخيفة حول عطل المرض طويلة الأمد التي أدّت بدورها إلى اعتماد آليّة التعويض ( الأساتذة النوّاب).

-       الأساتذة النوّاب:يمثّل الأساتذة النوّاب آليّة من آليّات سدّ الشغورات الناتجة عن حركة النقل الوطنيّة أو الإنسانية وفي هذه الآليّة استغلال للأساتذة النوّاب وتأكيد لأساليب التشغيل الهشّة  كما أنّ حرمان الأساتذة النوّاب من التفقّد والتكوين البيداغوجي له آثاره السلبيّة على التلميذ ولذلك يجب مراجعتها في إطار العمل على إصلاح المنظومة التربويّة بما يضمن حقّ الأستاذ المعوّض والتلميذ.

 

3-             نظام تقييمي يحتاج إلى المراجعة.

عاملان رئيسيّان ساهما في اضطراب النظام التقييمي في القطاع التربوي وهما احتساب المعدّل السنوي بنسبة 25 بالمائة والدروس الخصوصيّة غير المؤطّرة.

4-             2011  عام الثورة والثغرة التعليميّة.

من العوامل الأساسية التي ساهمت في ضعف التحصيل المعرفي للتلاميذ وتراجع نتائجهم حيث حرم تلاميذ المناطق الداخليّة من استكمال كثير من المحاور الرئيسيّة المؤثّرة في التكوين المعرفي والعلمي ممّا سبّب " ثغرات معرفيّة" وكان قرار استكمال السنة الدراسيّة 2010/2011 قرارا سياسيّا مرتجلا لم يراع المعايير البيداغوجيّة والتربويّة ويلاحظ المباشرون للعمليّة التربويّة في المؤسسات انحدارا مفاجئا في مستوى التلاميذ المعرفي بعد الثورة .

5-             حراك مطلبي واجتماعي ونقابي أثّر على السير الطبيعي للدروس.

تعمّق الحراك المطلبي والاجتماعي والنقابي بعد الثورة ورغم تعبيره عن مصاعب تنمويّة عانتها الجهة منذ عقود فإنّه أثّر تأثير سلبيّا على مردود القطاع التعليمي في الجهة ( الإضرابات العشوائيّة –غلق المؤسسات التربويّة للتعبير من احتجاج مطلبي – احتجاج سياسي يدفع بالتلاميذ إلى الشارع للتظاهر)

6-             ارتفاع نسبة سكّان الوسط الريفي وآثارها التربويّة.

تتجاوز نسبة سكّان الوسط الريفي في ولاية القصرين 58 بالمائة وتبلغ في بعض المعتمديّات نسبة 80 بالمائة وهو ما أدّى إلى نتائج اجتماعيّة تجلّت في النمط الاقتصادي والسلوك الاجتماعي حيث يتضاءل البعد " المدني" ويتنامى البعد القبلي "العروشي" أمّا في الجانب التعليمي التربوي فلهذه النسبة المرتفعة آثار سلبيّة ساهمت بدورها في تراجع النتائج في ولاية القصرين ومنها:

-       تركّز المؤسسات الإعداديّة والثانويّة في الوسط البلدي أساسا أمّا المؤسسات المركّزة في الوسط الريفي فتفتقد لكثير من عناصر البنية الأساسيّة ( الربط بشبكة الماء الصالح للشرب والربط بشبكة التطهير )

-       ربط تلامذة الوسط الريفي بالمؤسسات التربويّة عبر حافلات النقل المدرسي ( الإرهاق – العنف )

-       صعوبة المتابعة والمراقبة للتلميذ أثناء ساعتي الاستراحة بين الحصّة الصباحيّة والحصّة المسائيّة.

-       تضاعف احتمال تعرّض التلميذ للعنف أو الانحراف.

-       الانقطاع المبكّر عن التعليم .

7-             الوليّ : خارج دائرة الاهتمام التربوي.

لا يتمكّن الأولياء من المراقبة والمتابعة بسبب ضغوط الحياة اليوميّة بل إنّ كثيرا منهم يضطرّون للعمل خارج الجهة ( عدم القدرة على حضور الاجتماعات التي تدعو اليها المؤسسات التربويّة وعدم القدرة على مراقبة الغيابات ..عدم القدرة على متابعة التحولات النفسيّة والتربويّة التي يعانيها التلميذ)

8-             تغييب للعمل الاجتماعي التربوي.

ما يزال العمل الجمعيّاتي والمدني ضعيفا وغير فاعل خاصّة فيما يتعلّق بالجانب التربوي ولم تترسّخ بعد ثقافة العمل التطوّعي أو الخيري الذي يهتمّ بالتلميذ باعتبارها هدفا للمشروع المدني والتنموي.

9-             دروس خصوصيّة عشوائيّة.

رغم ضبط شروط تنظيم دروس التدارك أو الدّعم أو الدروس الخصوصيّة بالأمر عدد 679 لسنة 1988 والمذكّرة عدد 593 المؤرّخة في 06 جانفي 2014 فإنّ الدروس الخصوصيّة العشوائيّة أضحت عاملا مساهما في تراجع النتائج بدل سدّ الثغرات المعرفيّة ودعم مجهود المراجعة بالنسبة للتلميذ وتحتاج الدروس الخصوصيّة إلى إعادة تنظيم قانوني.     

 

عوامل متداخلة ساهمت في تراجع نتائج الامتحانات الوطنيّة في ولاية القصرين وهو ما يستوجب وقفة تأمّل ومراجعة جادّة للخيارات التعليميّة والتنمويّة في الجهات الداخليّة ويطرح ملف التعليم في تونس باعتباره أولويّة وطنيّة بعيدا عن الصراع الحزبي الزائف.

محمد المولدي الداودي

عضو النقابة الجهويّة للتعليم الثانوي بالقصرين                                                                                                                                                                                                                             




التعليق على الموضوع عبر فيس بوك

التعليق على الموضوع في الموقع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة

فكرة وتصميم وبرمجة الموقع: أحمد زربوحي
للتواصل: e-mail: khbarbladi@gmail.com