فضاءات غور الصافي

غور الصافي

فضاء الإبداعات الأدبية والفنية

العضو الأكثر فعالية على مستوى الـبلدة
خالد عطية الحشوش
مسجــل منــــذ: 2011-01-02
مجموع النقط: 11
إعلانات


قراءة نقدية لرواية ايات رحمانية / الدستور


الفنتازيا في الرواية العربية في رواية خالد عطية العشوش / ايات رحمانية الجزء الاول
ثامر إبراهيم المصاروة
صدرت رواية (آيات رحمانية1) لخالد العشوش عن مطبعة الشعب إربد، لعام 2012م فتقع في (142) صفحة من القطع الصغير، فكانت نموذجًا واضحًا وموفقًا في توظيف أسلوب الفنتازيا في ثنايا الرواية، فوظف الفنتازيا في شخوص روايته وأحداثها وزمانها ومكانها ولغتها. ويمكن القول إنّ الفنتازيا غدت سمة بارزة في الرواية العربية الحديثة، حيث إن الرواية الفنتازية تسعى لتقريب الواقع الحديث المتناقض بسبل غيبية وخيالية فنتازية علّ اللاوعي وعالم الغيب يسهم في قدرة المتلقي على فهم الواقع المتشظي واقع الانكسارات وكسر الطموحات والاصطدام بواقع مشوّه بما يحمله من تناقضات.
تعددت التسميات التي أطلقها النقاد على الفنتازيا، فمنهم من تعامل معها تحت مسمّى «العجائبية» أو الغرائبية» أو «التوهم» أو «عالم الخيال والغيب»، ولكن كلّها مسميات تُحيلنا إلى رؤية واحدة، ذلك الأسلوب الأدبي الذي يجسد عمليات داخلية تمزج مزجًا غريبًا وغير متوقع بين العالمين الداخلي والخارجي، لذا فهي تقترن بحلم اليقظة والخيال، وتعرض الواقع بطرق غير متوقعة، يربط الواقع المتناقض الزائف الميّت بعالم آخر يُطلق عليه أدب العبث أو اللامعقول أو اللاوعي.
فهو إذن يعتمد أساسًا على الواقع عندما يعبِّر عنه بأساليب فوق واقعية أو غيبية، فالأحداث فيها تقع في عالمٍ معزول عن عالمنا، وتقدم صورًا لعدالة كونيّة واضحة، عندما تتصل بعالم البرزخ، وقصص الإنس والجن التي يتخذها الكاتب مهادًا لنّصه الأدبي.
وباعتقادي أن هذا المزج بين الواقع المرئي وغير المرئي ـإن جاز التعبيرـ في الفنتازيا ينبغي له أن يهدف إلى أن يخرج المتلقي بحقيقة مؤداها «إن العالم الذي تطرحه عالمنا بدون ريب»، فإن عجز العمل عن إيصال هذه الحقيقة يكون فقد معناه وتأثيره، كما تهدف إلى الكشف الصريح عن بشاعة الواقع وتعريته لحقائق كونيّة مفصليّة في حياة الإنسان بعد مماته كما عمل العشوش في روايته.
تنتمي رواية العشوش إلى ما يسمّى بفنتازيا الواقعية، التي ظهرت حديثًا في الأدب الحديث، إذ تقوم الفنتازيا الواقعية في الأدب بمراعاة قدرة القارئ على إدراك عالم اعتيادي ومقبول، ولذلك فالقارئ يمتلك إحساس ذلك العالم الغيبي؛ لأنه جزء من واقعه، لكن بصورة تعتيمية.
فتفاعلت الرواية مع العديد من آيات القرآن الكريم، والعديد من القصص القرآني ومنها: أهل الكهف ونوح ويوسف ويأجوج ومأجوج ومريم وإبراهيم وشعيب ولوط ويونس وعاد وثمود، وقصص الإنس والجن والجنة والنار وغيرها الكثير، مما ساعد الرواية بعناصرها كافة أن توغل في أسلوب الفنتازيا ونموّها في شخصية (أبو جمعة)، الشخصية المحورية في الرواية.
ويستمر السرد المؤطر الذي يبعث الخوف والرعب لدى القارئ «ساد السكون قليلاً لم يستيقظ (أبو جمعة) من رقاده ولم يحرك ساكنًا... لا أخفي عليك إن حالة والدك الصحية لا تبعث على الاطمئنان قال جمعه بقلق: كيف؟! فهذه أول مره يدخل فيها المستشفى، والدك مصاب بجلطة دماغية، وهو الآن في حالة غيبوبة...»ص12ـ13.
ويتعمق الكاتب في وصفه مشكِّلاً فضاءً خصبًا يساعد على إبراز الحدث الفنتازي،»كاد الممرض يهم بإيقاظ جمعه عندما انتابه شيء من الخوف، ثمة شيء لا يستطيع رؤيته أو التحقق منه، حدّق في كل شيء ليعود مرة أخرى إلى وجه أبو جمعه الذي كانت تعابيره لا تدل إلا على طمأنينة، وابتسامة ارتسمت على محيّاه... مما زاد من حيرته وخوفه، تمتم قائلاً: غريب أمر هذا المريض، ما الذي يحدث؟!...»ص16ـ17.
وفي تلك الأجواء المظلمة، وصوت البرق الشديد وحالة من الهذيان تصيب الممرض لما يحدث من حوله، يضعنا المؤلف في عالم (أبو جمعه) الجديد، عالم من الغيبيات، وأحداث فنتازية عجيبة تدّب في روح أبو جمعه الملقي على السرير في غرفة العناية المركزة، فيتأزم الحدث»صوت، السلام عليك أيها العبد الفقير، السلام عليك يا عبدالرحمن، استيقظ (يا أبو جمعه) استيقظ من نومك، استيقظ فبصرك اليوم حديد،...صوت فيه رائحة الجنة، وتسبيح المسبحين الخاشعين...ومرّة أخرى يطلب الصوت من (أبو جمعه) أن يستيقظ من نومه ليرى ما يرى»ص18.
ومعلوم أن إثارة الدهشة عنصر أساسي مقصود في الأدب الفنتازي، لا عرضي طارئ، تلك الدهشة يولدها الإحساس بالمعنى الغامض الكامن خلف الخوارق والمستحيلات،»أخذ أبو جمعه يبحث عن الصوت ومصدره في أرجاء المكان، فيما يداه كانتا تتحسسان جسمه الشفاف، هاله ما رأى، عاد شابًا في الثلاثين من عمره، اختفى ذلك الشيب من رأسه، ونبتت المساحات المتصلعة من رأسه، ذهبت تجاعيد وجه... لا تفرح يا أبا جمعه، إن الله لا يحب الفرحين، تجرأ أبو جمعه على الرّد قائلاً: من أنت بحق لا إله إلا الله، ردّ الصوت وقد ازدادت فيه نغمة جعلت الطمأنينة تتسرب إلى عقل وقلب أبو جمعه، أنا دعاؤك في الليالي الحالكة... أنا لقمة العيش... أنا معدتك الخاوية...»ص20.
ولتكثيف عنصر الإدهاش ومضاعفته يسعى الكاتب لتجاوز الزمن الآني، فيقدم أحداثًا خارقة ومشاهد ورؤى في عالمٍ غير مرئي للبشر، مؤسسًا الحيرة والتعجب والقلق لدى القارئ، «ومرة أخرى ينبه الصوت إلى لحظة الرحيل، أحس أبو جمعه في الصوت نغمة التطمين... وكلمح البصر أو ربما أسرع من ذلك.. كان أبو جمعه يحلق في عوالم ومجاهيل لم يرها من قبل، قال له الصوت: سبّح الله يا أبا جمعه وأكثر من الصلاة على نبيه الكريم...»ص23.
ويتسنى للباحث أمام رواية العشوش أنه أمام رواية تتمرد على الحبكة العضوية ذات البناء العضوي، وتتخذ من البناء المشظى والسرد القائم على تعدد الأصوات قالبًا لها، فتتقاطع أزمان وأحداث، وتتوقف وتنمو وتلتقي وتبتعد وتقترب وتتوازى، «ويرى أبو جمعه نجومًا تتلألأ بحجم الأقمار، تخرج من ظهر آدم، نورها يبهر العيون...، ويدرك الصوت ما يجول بخاطر (أبو جمعه) من تساؤلات، فيقول: إنهم أنبياء الله ورسله وهذا نورهم إلى أن تقوم الساعة...»ص62، إلى أن يقول: «لك الله يا (أبو جمعه) فليس لك مكان بينهم لأنك لا تفهم لغتهم، ويصمت الصوت ليقول: سوف تسمع هديرًا وترى أمواجًا عاتية...»ص64ـ65.
وفي أجواء الرواية يتقاطع الزمان والمكان، فيسهم المكان في إغناء السرد الفنتازي كالزمان في الرواية، فيجاوز فيه الخارق بالواقع، فالمكان يتسع ويضيق ويمتد على صفحات الرواية، «ويخيم السكون قليلاً، وتُطوى مسافات ومسافات، وتقهر الساعات تتلوها الساعات، ويحط أبو جمعه في أرض الكنانة مصر، حيث الفاجر الكافر فرعون»ص99، ولا يلبث المكان إلا أن يمتد سعة «إني أسمع صوت معركة تدور رحاها بين بني إسرائيل والعمالقة...إنهم العمالقة من أرض غزة وعسقلان»ص112.
ويمكن القول إنّ العشوش في روايته قد وظّف الرموز والفنتازيا في البناء العام لها، فقد تخطى بعدي الزمان والمكان وتحرر من قيود الزمن والواقع، فاستحضر الماضي بل تعداه إلى إحياء الموتى ـفي الراويةـ وأخفى الظاهر وأظهر الخفي، وجاء سرده متناوبًا بين الوعي واللاوعي.
وكلمة أخيره، باستعراض عناصر الرواية ولغتها يجد القارئ نفسه أمام نص ديني كثيف ذي نفس فنتازي وعجائبي طالع من حس واقعي، ويشمل عنصرًا أساسًا وغير قابل للإنقاص من العوالم الخارقة للطبيعة، تصبح الشخصيات البشرية في الرواية، أو القرّاء على صلةٍ وثيقة بها.
تاريخ آخر تحديث: الجمعة, 16 آذار/مارس 2012 13:25

تقييم:

0

0
مشاركة:


التعليق على الموضوع


لم يسجل بعد أي تعليق على هذه المشاركة !...

...........................................

=== إضافة تعليق جديد ===
الإسم:

نص التعليق:

انقل محتوى صويرة التحقق في الخانة أسفله:
الصورة غير ظاهرة